“تقرير“| واشنطن ودمشق: من إدارة الصراع بالأدوات إلى إدارة النتائج عبر الدولة..!
أبين اليوم – تقارير
تشهد السياسة الأمريكية تجاه الملف السوري انعطافة استراتيجية كبرى، تتجاوز مجرد التكتيك الميداني لتصل إلى إعادة صياغة كاملة لشكل العلاقة مع القوى المحلية.
وتتجلى هذه الرؤية في التخلي التدريجي عن “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) كذراع منفصلة، والتحول نحو الاعتماد على الحكومة السورية كجهة قادرة على تنفيذ التطلعات الأمنية والسياسية الدولية، وإدارة المرحلة المقبلة بما ينسجم مع الرؤية الأمريكية.
– تحول الأدوات لا الأهداف:
لم تعد واشنطن ترى في “قسد” ضرورة استراتيجية ملحة، خاصة مع بروز مؤشرات على مرونة الحكومة السورية في التعاطي مع المطالب الأمريكية. وتأتي تصريحات المبعوث الأمريكي “توم براك” لتؤكد هذا التوجه، حيث أقرّ بأهلية الحكومة السورية لتولي المسؤوليات الأمنية الكبرى، بما في ذلك ملف معتقلي تنظيم “داعش”، وهو اعتراف ضمني بأن الدور الوظيفي الذي كانت تؤديه “قسد” قد وصل إلى نهايته، وأن الدولة السورية باتت هي الأداة الأنجع والأقل كلفة سياسياً وأمنياً.
– الاندماج: تفكيك “الأداة” لصالح “المؤسسة”:
إن التحرك الأمريكي لتسهيل اتفاق الاندماج بين دمشق و”قسد” (الذي تبلور في 18 يناير) يمثل حجر الزاوية في استراتيجية “نقل المهام”. فالدعوة لدمج المقاتلين الكرد في وزارة الدفاع وتسليم البنى التحتية تعني عملياً إنهاء الحالة الفصائلية المستقلة وتحويلها إلى جزء منضبط داخل هيكل الدولة.
واشنطن هنا لا تنسحب من المشهد، بل تُعيد ترتيبه بحيث تضمن مصالحها عبر “حكومة شرعية” تلتزم بالتفاهمات، مما يرفع عن كاهل واشنطن أعباء دعم كيان موازٍ قد يتحول مستقبلاً إلى عامل توتير إقليمي.
– الميدان يترجم التوافقات:
على الأرض، بدأت ملامح هذا التحول تظهر من خلال التفاهمات في محافظة الحسكة، حيث يجري العمل على دمج تدريجي وإشراك قيادات “قسد” في مؤسسات الدولة.
هذه التحركات الميدانية توحي بأن الولايات المتحدة قد انتقلت بالفعل من مرحلة “إدارة الصراع” عبر الوكلاء والمحليين، إلى مرحلة “إدارة النتائج” من خلال التنسيق المباشر مع مركز القرار في دمشق، طالما أن الأخير يتبنى مساراً يخدم الاستقرار المنشود أمريكياً.
- “البراغماتية الأمريكية ومستقبل السيادة”:
في القراءة الختامية، يبدو أننا أمام مشهد “نهاية الصلاحية” للأدوات المحلية التي أفرزتها سنوات الحرب. إن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة تعكس براغماتية مفرطة؛ فهي لا تتمسك بالحلفاء بقدر ما تتمسك بالنتائج. وبناءً عليه، فإن دمج “قسد” في مؤسسات الدولة السورية ليس مجرد إجراء إداري، بل هو “إعادة تدوير” للنفوذ الأمريكي داخل بنية الدولة السورية نفسها.
إن الرهان الأمريكي اليوم ينتقل من “قوة السلاح المنفصل” إلى “قوة التفاهمات السياسية” مع دمشق، مما يضع الحكومة السورية أمام اختبار دقيق: القدرة على استعادة السيادة الميدانية مع إدارة الضغوط والمتطلبات الأمريكية المعقدة.
وفي نهاية المطاف، فإن واشنطن لا تغادر الجغرافيا السورية، بل تُغير “بدلتها العسكرية” لتلبس “عباءة التفاهمات السياسية”، محققةً مصالحها بأدوات الدولة الرسمية بدلاً من المليشيات، وهو ما يضمن لها استدامة التأثير بأقل الأثمان السياسية الممكنة.
هل تودّ مني التعمق في تحليل تداعيات هذا التحول على العلاقات التركية-الأمريكية في المنطقة؟