تقرير“| 3 مقابر سرية و 6 سجون خارج القانون: تفجير ملف الانتهاكات الإماراتية في حضرموت..!
أبين اليوم – خاص
ما كُشف عنه في ملف الاعتقالات السرية والمقابر المشتبه بها في حضرموت لا يمكن التعامل معه كـ«انتهاكات حقوقية» بالمعنى التقليدي، ولا كوقائع معزولة نتجت عن فوضى حرب أو تجاوزات ميدانية. نحن أمام بنية أمنية كاملة عملت لسنوات خارج الدولة، وخارج القانون، وخارج أي مساءلة، تحت غطاء التحالف وشعارات “مكافحة الإرهاب” و”فرض الاستقرار”.
الخطير في هذه الكشوفات ليس عدد الضحايا ولا مواقع السجون السرية فحسب، بل كونها تفضح نموذجاً أمنياً قائماً على الإخفاء، التصفية، وتحويل المؤسسات المدنية إلى أدوات قمع. مطار، ميناء، قصر جمهوري… كلها تحولت من رموز سيادة وخدمة عامة إلى غرف مظلمة تُدار من خارج اليمن، ويُحتجز فيها مواطنون بلا تهم، بلا محاكم، وبلا أسماء.
الأكثر فداحة أن حضرموت، التي جرى تسويقها كنموذج “الاستقرار الإماراتي”، تظهر اليوم بوصفها أحد أكثر الأمثلة قسوة على الاستقرار الزائف؛ استقرار صامت فرضته القبضة الأمنية، لا القبول المجتمعي. الصمت الذي استمر لسنوات لم يكن رضاً، بل خوفاً مكثفاً، لم ينكسر إلا حين تراجعت القبضة وتغيرت موازين النفوذ.
هذا الملف لا يضع الإمارات فقط أمام اختبار أخلاقي، بل أمام مسؤولية قانونية ثقيلة، لأن الحديث لم يعد عن اعتقال غير قانوني، بل عن اختفاء قسري ومقابر مشتبه بها، أي عن جرائم لا تسقط بالتقادم. ومن هنا، فإن السؤال لم يعد: هل وقعت انتهاكات؟ بل: من سمح بقيام هذا النظام الأمني؟ ومن سيمنع طمس الحقيقة مرة أخرى؟
خلفية المشهد:
في تطور بالغ الخطورة، كشفت لجنة التحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان التابعة للتحالف عن معطيات صادمة تتعلق بملف الاعتقالات التعسفية والاختفاء القسري في محافظة حضرموت، شرقي اليمن.
هذه الكشوفات لا تمثل مجرد توثيق لانتهاكات فردية، بل تشير إلى وجود منظومة احتجاز سرية متكاملة يُشتبه بإدارتها من قبل القوات الإماراتية وأدواتها المحلية، شملت مراكز اعتقال غير قانونية وبلاغات عن مقابر مرتبطة بالاختفاء القسري.
التقرير يفتح واحداً من أكثر الملفات حساسية منذ بدء الحرب، ويضع الدور الإماراتي في حضرموت تحت مجهر قانوني وأخلاقي غير مسبوق.
أولاً: شهادات الضحايا.. كسر جدار الصمت:
بحسب تصريحات القاضية إشراق المقطري، عضو اللجنة والمتحدثة باسمها، استمعت اللجنة إلى شهادات أكثر من 100 ضحية تعرضوا لانتهاكات جسيمة، تنوعت بين:
- – الاعتقال التعسفي
– الإخفاء القسري
– الاحتجاز خارج إطار القضاء
– سوء المعاملة والتعذيب النفسي والجسدي
أهمية هذه الشهادات لا تكمن فقط في عددها، بل في طبيعتها المتطابقة، وتكرار أنماط الانتهاك، ما يشير إلى وجود سياسة ممنهجة، لا تصرفات فردية أو تجاوزات معزولة.
الأخطر أن غالبية هذه الإفادات ظلت مكبوتة لسنوات، ولم تظهر إلا بعد التغيرات السياسية والأمنية الأخيرة، ما يعكس حجم الخوف الذي فرضته المنظومة الأمنية السابقة في المحافظة.
ثانياً: المقابر المشتبه بها.. من الإخفاء إلى شبهة القتل:
كشفت اللجنة عن تلقيها ثلاثة بلاغات رسمية بوجود مقابر يُشتبه بارتباطها بملفات الاختفاء القسري. ورغم أن التحقيقات لا تزال جارية، إلا أن مجرد وجود هذه البلاغات ينقل الملف إلى مستوى بالغ الخطورة.
الحديث عن مقابر محتملة يعني أن بعض حالات الاختفاء لم تكن احتجازاً طويل الأمد، بل قد تكون انتهت بتصفية جسدية، وهو ما يفتح الباب أمام توصيف قانوني أشد، قد يصل إلى:
- – جرائم جسيمة
– انتهاكات ترقى لجرائم حرب
– مسؤولية جنائية مباشرة وغير مباشرة
ثالثاً: مراكز احتجاز سرية داخل مؤسسات مدنية:
من أخطر ما ورد في إفادة اللجنة، توثيق ستة مراكز احتجاز غير قانونية في حضرموت، جرى تشغيلها داخل مرافق خدمية وسيادية، ما يعكس استخفافاً كاملاً بالقانون وبالطابع المدني للمحافظة. وبحسب شهادات الضحايا، شملت هذه المراكز:
- – مطار الريان الدولي
– ميناء ومعسكر الضبة
– القصر الجمهوري
– معسكر الربوة
– معسكرات الدعم الأمني
تحويل هذه المنشآت إلى سجون سرية يعني أن الانتهاكات لم تكن طارئة، بل تمت بقرار مركزي، وبإمكانات لوجستية وتنظيمية عالية، وهو ما يؤكد الطابع المنهجي لهذه الممارسات.
رابعاً: لماذا كُشف الملف الآن؟
تؤكد اللجنة أن التغيرات السياسية والأمنية الأخيرة لعبت دوراً محورياً في تشجيع الضحايا على الإدلاء بشهاداتهم. هذا المعطى يحمل دلالة مهمة:
– الصمت السابق لم يكن دليلاً على عدم وقوع الانتهاكات، بل نتيجة الخوف من منظومة أمنية مغلقة لا تسمح بأي مساءلة.
– حضرموت، التي لطالما رُوّج لها كنموذج “الاستقرار” الإماراتي، يتضح اليوم أن هذا الاستقرار كان قائماً على القمع، لا على القانون.
– وعليه يمكن القول:
تكشف هذه التطورات عن انهيار الرواية الأمنية التي سوّقتها الإمارات في حضرموت لسنوات، والتي قامت على معادلة “الأمن مقابل الصمت”.
ما يظهر الآن هو أن هذا الأمن كان هشاً ومبنياً على الاعتقال والإخفاء خارج القانون، وليس على بناء مؤسسات أو شراكة مجتمعية.
التحقيقات الجارية تمثل لحظة مفصلية، ليس فقط لضحايا حضرموت، بل لمسار العدالة في اليمن عموماً. فإذا ما استُكملت هذه الملفات بشفافية، فإنها ستفرض واقعاً جديداً يُعيد تعريف مفهوم “الشراكة العسكرية” داخل التحالف، ويضع حداً لاستخدام مكافحة الإرهاب كذريعة لانتهاك الحقوق.
في المحصلة، ما يجري في حضرموت ليس مجرد فتح ملف حقوقي، بل بداية تفكيك منظومة نفوذ أمني عملت خارج الدولة والقانون. ويبقى السؤال الأهم: هل ستُترك هذه الملفات لتأخذ مسارها القضائي الكامل، أم ستُطوى مجدداً تحت حسابات السياسة؟