“تقرير“| حرب الموانئ تشتعل: السعودية تستدعي “التنين الصيني” لكسر هيمنة دبي على عدن..!
أبين اليوم – تقارير
دخل الصراع السعودي – الإماراتي في اليمن مرحلة “كسر العظم” الاقتصادي، حيث بدأت الرياض تحركات دولية واسعة النطاق تهدف إلى سحب بساط النفوذ البحري من تحت أقدام أبوظبي.
وكشفت مصادر رفيعة في ميناء عدن عن مفاوضات تجريها لجنة سعودية مع جهات حكومية صينية لإبرام اتفاقية استراتيجية لتشغيل الميناء التاريخي المطل على خليج عدن وبالقرب من مضيق باب المندب.
هذا التحرك السعودي يضرب في عمق المصالح الإماراتية؛ فميناء عدن الذي ظل لسنوات ضحية لاستراتيجية “التعطيل الممنهج” التي انتهجتها أبوظبي لحماية تفوق ميناء “جبل علي”، يبرز اليوم كأهم محطة محتملة على طريق “الحرير” الصيني الجديد.
وتؤكد التقارير أن الإمارات بذلت جهوداً مضنية خلال سنوات سيطرتها على عدن لتدمير بنيته التحتية، وصلت إلى حد إغراق سفن متهالكة في ممراته الملاحية لعرقلة الملاحة الدولية مستقبلاً.
ويأتي التوجه السعودي نحو بكين بمثابة “ضربة معلم” سياسية، إذ أن دخول الصين كطرف مشغل لميناء عدن لن يكتفي بإعادة إحياء الميناء الحيوي، بل سيؤدي بالضرورة إلى تهميش الموانئ الإماراتية في المنطقة وتوجيه صفعة اقتصادية قوية لمكانة دبي كمركز لوجستي عالمي، مما يعزز مساعي الرياض في عزل حليفتها الصغرى إقليمياً ودولياً.
– من “التعطيل” إلى “التشغيل”.. عدن كساحة لتصفية الحسابات الكبرى:
إن الدعوة السعودية للصين لتشغيل ميناء عدن تتجاوز كونها صفقة اقتصادية؛ إنها إعلان رسمي عن انتهاء “حقبة المجاملات” بين الرياض وأبوظبي في ملف اليمن.
تاريخياً، كانت الإمارات ترى في ميناء عدن “خطرًا وجوديًا” على موانئها، ولذلك عملت على تحويله إلى مقبرة للسفن ومخزن للغبار. اليوم، تستخدم السعودية هذا “البعبع” الاقتصادي كسلاح استراتيجي ضد الإمارات.
مقارنة: ميناء عدن (العملاق النائم) مقابل ميناء جبل علي (الإمبراطور الحالي):
1. المزايا الجيوسياسية والموقع:
تتجلى العبقرية الجغرافية لـ ميناء عدن في كونه نقطة الالتقاء الطبيعية الأكثر كفاءة على وجه الأرض بين الشرق والغرب؛ فهو يربط بين المحيط الهندي والبحر الأحمر، ويتربع مباشرة على خط الملاحة الدولي الرئيسي دون الحاجة لأي انحراف أو توغل في ممرات ضيقة.
هذه الميزة تجعله “محطة استراحة” إجبارية ومنطقية للسفن العملاقة العابرة بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس، حيث توفر السفن عند الرسو فيه مئات الأميال البحرية وآلاف الأطنان من الوقود التي تستهلكها حالياً للالتفاف حول شبه الجزيرة العربية لدخول الخليج العربي.
في المقابل، يقع ميناء جبل علي في موقع جغرافي “داخلي” مقارنة بعدن، مما يجعله محطة نهائية أو “لوجستية خلفية” أكثر من كونه نقطة عبور طبيعية. فالسفن المتجهة إليه تضطر لمغادرة الممر الملاحي العالمي والعبور عبر مضيق هرمز، وهو ما يزيد من زمن الرحلة وتكاليف التأمين المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية في تلك المنطقة.
علاوة على ذلك، يمتلك ميناء عدن خصائص جيومورفولوجية نادرة؛ فهو ميناء ذو أعماق طبيعية كبيرة محمية بسلسلة جبلية بركانية توفر له حماية طبيعية من الأمواج والرياح، مما يقلل الحاجة لعمليات الجرف المستمرة التي يتطلبها ميناء جبل علي للبقاء صالحاً لاستقبال السفن الضخمة.
باختصار، عدن تمتلك “الهبة الإلهية” للموقع والعمق، بينما يمتلك جبل علي “الهندسة البشرية” والتكنولوجيا؛ وهو ما يفسر لماذا يمثل إحياء ميناء عدن تهديداً وجودياً لمكانة دبي، فالجغرافيا حين تعمل بكفاءة، تتفوق دائماً على التكنولوجيا المضافة.
2. القدرات التشغيلية والوضعية الراهنة:
– ميناء جبل علي: يعتبر حالياً أكبر ميناء من صنع الإنسان في العالم، وبوابة لوجستية لأكثر من 2 مليار نسمة. يتميز بأتمتة كاملة، وتقنيات متطورة، وسرعة فائقة في تفريغ الحاويات، مما جعله “الرئة” الاقتصادية للمنطقة.
– ميناء عدن: يعاني من تهالك البنية التحتية (كرينات قديمة، غرق سفن في الممر الملاحي، غياب الأتمتة). ورغم أن موقعه يوفر على السفن العملاقة حوالي 3 إلى 4 أيام من الإبحار مقارنة بجبل علي، إلا أن “التعطيل” جعل تكاليف التأمين والانتظار فيه مرتفعة جداً.
3. لماذا تخشى الإمارات تشغيل ميناء عدن؟:
تعتمد استراتيجية دبي اللوجستية على أن تكون “محطة ترانزيت” عالمية. إذا تم تفعيل ميناء عدن بقدرات صينية (طريق الحرير)، فسيحدث الآتي:
– هجرة السفن العملاقة: السفن المتجهة من شرق آسيا إلى أوروبا لن تحتاج لدخول الخليج العربي والعودة منه، بل ستفرغ شحناتها في عدن وتكمل طريقها عبر قناة السويس.
– توفير التكاليف: تقليل المسافة يعني توفير ملايين الدولارات من الوقود والوقت لشركات الملاحة العالمية.
– فقدان الهيمنة: سيتحول جبل علي من ميناء محوري عالمي إلى ميناء إقليمي لخدمة دول الخليج فقط، بينما يسحب عدن البساط كمركز “ترانزيت” دولي.
تحليل:
المعركة الحالية ليست على “أرصفة من أسمنت”، بل هي صراع على من يتحكم في قلب التجارة العالمية. السعودية، باستدعاء الصين، تدرك أن تحويل عدن من “مقبرة سفن” إلى “محطة ذكية” هو الوسيلة الوحيدة لكسر التفوق الاقتصادي الإماراتي وإعادة رسم خريطة النفوذ في شبه الجزيرة العربية.
والتحليل العميق يشير إلى أن الرياض تلعب بورقة “التوازن الدولي”؛ فإدخال الصين إلى عدن يعني منح بكين موطئ قدم في أهم الممرات البحرية العالمية، وهو أمر سيغير موازين القوى في المنطقة برمتها.
فإذا نجحت السعودية في تحويل ميناء عدن من حالة “الموت السريري” التي فرضتها أبوظبي إلى حالة “الازدهار الصيني”، فإنها لن تكتفي بخنق موانئ الإمارات اقتصادياً فحسب، بل ستنزع منها أهم أوراق ضغطها الجيوسياسي، مما يجعل من عدن بوابة ليس فقط للتجارة العالمية، بل لنظام إقليمي جديد تهيمن عليه الرياض بلا منازع.