“تقرير“| الرياض تعيد هندسة الجنوب والشرق اليمني: إدارة مباشرة وإقصاء الأدوات غير المنضبطة..!

7٬884

أبين اليوم – تقارير 

اليمن الجنوبي والشرقي لم يعدا مجرد مناطق نفوذ متنازع عليها، بل تحوّلا إلى مسرح مباشر للسيطرة السعودية، التي تتعامل مع القوى المحلية كأدوات مؤقتة قابلة للاستخدام أو الإقصاء حسب الأولويات الاستراتيجية للرياض.

إلغاء مؤتمر الحوار الجنوبي في الرياض، وتهميش القيادات العسكرية والسياسية السابقة، وصناعة واجهات سياسية جديدة مثل محمود الصبيحي، كلها خطوات متسلسلة تكشف عن خطة سعودية منهجية لإعادة تعريف المشهد السياسي في الجنوب والشرق، بعيداً عن أي توافق داخلي أو نفوذ إماراتي سابق.

في هذا السياق، لا يُنظر إلى القوى المحلية كشركاء، بل كقطع شطرنج يمكن تحريكها أو تهميشها وفق الحاجة، ما يجعل السيطرة المباشرة على القرار، والثروة، والموارد هدفاً لا لبس فيه.

وتكشف التطورات المتسارعة عن ملامح خطة سعودية متكاملة لإدارة محافظات جنوب وشرق اليمن الخاضعة لسيطرتها، باعتبارها ملفاً سياسياً–عسكرياً–أمنياً واحداً مرتبطاً بشكل مباشر بالرياض، بعيداً عن أي مسارات توافقية محلية.

وفي هذا الإطار، لا يمكن فصل قرار فضّ وفود ما سُمّي بـ«الحوار الجنوبي» في الرياض، وصرف مبالغ مالية للمشاركين ثم إنهاء إقامتهم، عن السياق الأوسع لإدارة هذا الملف. فالخطوة لا تعكس فشلاً تنظيمياً أو تأجيلاً إجرائياً بقدر ما تكشف عن تعاطٍ سعودي مع القوى المحلية كأدوات مرحلية، يتم استدعاؤها عند الحاجة واستبعادها عند تغير الأولويات.

وتُظهر طريقة التعامل مع الوفود – من الاستدعاء، إلى الصرف المالي، ثم الإلغاء، وصولاً إلى إنهاء الإقامة – رسالة سياسية واضحة مفادها أن السعودية غير معنية برعاية حوار جنوبي حقيقي أو إنتاج توافق سياسي، بل بإعادة تركيب المشهد بما يضمن بقاء القرار النهائي بيدها.

إعادة تعريف “جنوب اليمن”:

تشير المعطيات إلى أن الرياض دخلت مرحلة إعادة تعريف الجنوب سياسياً، بعيداً عن النفوذ الإماراتي وأذرعه المحلية، حتى تلك التي أعلنت لاحقاً تقاربها مع السعودية. فالاستهداف لا يقتصر على المجلس الانتقالي الجنوبي بوصفه الذراع الأبرز لأبوظبي، بل يمتد إلى أي قوة جنوبية تمتلك هامش قرار مستقل.

وفي هذا السياق، يبرز تهميش قائد ألوية العمالقة أبو زرعة المحرمي كمؤشر بالغ الدلالة؛ إذ جرى إبعاده عن الواجهة رغم أنه كان مرشحاً لتصدر المشهد بعد انضوائه تحت المظلة السعودية عقب التحولات الأخيرة التي أضعفت النفوذ الإماراتي في عدد من المناطق.

ويعكس هذا التهميش قناعة سعودية بأن القيادات ذات الثقل العسكري والميداني تمثل مصدر قلق، أكثر من كونها رصيداً سياسياً قابلاً للضبط.

صناعة واجهة بديلة:

في المقابل، تتجه السعودية إلى صناعة واجهة سياسية بديلة لتمثيل الجنوب الخاضع لسيطرتها، تكون أكثر قابلية للتحكم. ويأتي تسويق محمود الصبيحي في هذا الإطار، كجزء من مشروع إعادة تشكيل التمثيل الجنوبي وفق الرؤية السعودية للمرحلة المقبلة.

ويعزز هذا التوجه احتضان الرياض لسلسلة لقاءات منسقة للصبيحي مع سفراء الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي، في خطوة تتجاوز الطابع البروتوكولي إلى محاولة منحه شرعية خارجية، وتقديمه كبديل سياسي، رغم محدودية حضوره وتأثيره خلال السنوات الماضية.

الخلاصة.. تعكس هذه التطورات توجهاً سعودياً واضحاً للتعامل مع الجنوب والشرق اليمني كمنطقة نفوذ مباشر، لا كقضية سياسية قابلة للتسوية أو الشراكة.

إلغاء الحوار الجنوبي بهذه الطريقة الفجّة، وتهميش القيادات العسكرية، وصناعة واجهات سياسية “ناعمة”، كلها مؤشرات على أن الرياض تسعى إلى ضبط المشهد بالكامل، لا إدارته بالتوافق. عملياً، لم تعد القضية الجنوبية أولوية بحد ذاتها في الحسابات السعودية، بل تحوّلت إلى تفصيل ضمن مشروع أوسع يهدف إلى السيطرة على الجغرافيا والثروة والقرار، مع إبقاء جميع الفاعلين المحليين في موقع الأدوات الخاضعة للإشراف المباشر.

هذا النهج قد يحقق للسعودية هدوءاً مؤقتاً، لكنه يحمل في طياته بذور انفجار مؤجل، مع تراكم الإقصاء وتآكل أي شرعية محلية حقيقية لإدارة هذه المناطق.

وعليه يمكن القول:

تشير التطورات الأخيرة في جنوب وشرق اليمن إلى أن الرياض لم تعد تكتفي بدور راعٍ أو وسيط سياسي، بل دخلت مباشرةً في مرحلة السيطرة الكاملة على هذا الإقليم الحيوي، متجاوزة أي معايير شرعية أو توافقية محلية.

ففضّ وفود ما يُسمّى بـ«الحوار الجنوبي» في الرياض، مع صرف مبالغ مالية ثم إنهاء إقامتهم، ليس مجرد إخفاق تنظيمي أو تأجيل روتيني، بل هو استعراض صارخ للسلطة والسيطرة، يعكس مقاربة سعودية ترى القوى المحلية أدوات مرحلية يمكن استخدامها أو تجاهلها حسب مقتضيات المصالح العليا للمملكة.

الرسالة هنا أكثر وضوحاً: السعودية ليست مهتمة بإنتاج توافق جنوبي أو رعاية حوار سياسي، وإنما بإعادة تركيب المشهد بما يضمن احتكار القرار النهائي بيدها، وتحويل الجنوب والشرق اليمني إلى مسرح لإعادة إنتاج النفوذ والسيطرة الاقتصادية والعسكرية.

أي قيادة أو قوة محلية تمتلك قدرة على اتخاذ القرار المستقل، مهما كانت ولاؤها السابق، تصبح في نظر الرياض عائقاً يجب تهميشه أو إقصاؤه، كما يظهر جلياً في حالة قائد ألوية العمالقة أبو زرعة المحرمي.

وفي المقابل، يتم تجهيز واجهات سياسية قابلة للتحكم، على غرار محمود الصبيحي، لتقديمها كبديل شرعي أمام الداخل والخارج، مع إعطائها زخماً دبلوماسياً من خلال لقاءات مكثفة مع السفراء الغربيين.

باختصار.. ما يحدث ليس مجرد تعديل مشهد سياسي، بل هو مشروع سعودي متكامل لإعادة تعريف الجنوب والشرق اليمني، على نحو يضمن سيطرة كاملة على القرار والموارد، مع تحويل القوى المحلية إلى أدوات قابلة للاستخدام أو الإقصاء، في رسالة واضحة لكل من يظن أن لديهم هامش تأثير حقيقي في مستقبل هذه المناطق.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com