“مقالات“| من عاصفة الحزم إلى هندسة التوازن.. الرياض تستبدل معركة صنعاء بصفقة وزواج الضرورة..!

5٬895

أبين اليوم – خاص 

من عاصفة الحزم إلى هندسة التوازن
الرياض تستبدل معركة صنعاء بصفقة وزواج الضرورة والطرفان وصلا إلى قناعة بأن كلاً منهما يحتاج الآخر

بقلم/ د. ربيع شاكر المهدي

لم تعد جبهات اليمن تقاس اليوم بالكيلومترات المكتسبة بل بمدى استقرار أسواق النفط وجدية التحويلات المالية فبحسب تقارير غربية فقد قررت السعودية أن تشتري الاستقرار بدلاً من استئجار النصر فهي تسلح الفصائل لضمان عدم انهيار التوازن لكنها تغلق باب معركة صنعاء حالياً طالما أن أمنها الداخلي ومنشآتها الاستراتيجية بعيدة عن لظى المسيرات.

المصادر الغربية الرصينة مثل (Foreign Affairs وThe Economist) ترى أن الرياض انتقلت من استراتيجية الحسم العسكري إلى استراتيجية إدارة المخاطر والخروج الآمن فالسعودية تمسك بزمام التحريك أو التجميد للملف اليمني.

التقارير الغربية تحلل هذه الخطوة كالتالي:

1- ​بناء ولاءات مباشرة بخلق قوة عسكرية تدين بالولاء المباشر للمملكة (مثل درع الوطن).
2- ​صمام أمان ميداني بضمان وجود ثقل سعودي صلب على الأرض في أي مفاوضات نهائية لمنع أي تمدد مفاجئ لصنعاء.

المصادر الدبلوماسية الغربية تتحدث عن مفاوضات (خلف الكواليس) تهدف لصفقة كبرى:

​من جانب صنعاء: ضمان أمن الحدود السعودية ووقف الهجمات العابرة للحدود.
​من جانب الرياض: تخفيف القيود الاقتصادية ودفع الرواتب والاعتراف الضمني بسلطة صنعاء كشريك سياسي مستقبلي.

وتشير دراسات معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى إلى أن السعودية انتقلت من استراتيجية الهجوم لتغيير النظام في صنعاء إلى استراتيجية الاحتواء الدفاعي كضرورة اقتصادية فالمملكة التي تستضيف إكسبو وتستعد لكأس العالم لا يمكنها المخاطرة بظهور دخان فوق منشآتها النفطية أو السياحية.

التقارير الغربية تؤكد بأن دعم السعودية لمجموعات مثل درع الوطن وقوات العمالقة وغيرها يخدم ثلاثة أهداف سرية:

الأول ​منع الانهيار الشامل: بضمان عدم سقوط المحافظات الجنوبية والشرقية (منابع النفط) في يد أي طرف قد يهدد العمق السعودي.
الثاني ​خلق ستاتيكو (وضع راهن): بإيجاد حالة من تعادل القوى تمنع الحوثيين من التفكير في الزحف نحو مأرب أو عدن دون الحاجة لتدخل جوي سعودي مباشر.
​الثالث الاستقلال عن الحلفاء: ببناء قوة تدين بالولاء للرياض حصراً لتكون ورقة ضغط قوية على طاولة المفاوضات النهائية.

المصادر الغربية تؤكد أن الرياض سحبت الضوء الأخضر لأي عملية عسكرية واسعة نحو صنعاء والأسباب تتجاوز الرغبة في السلام وهناك قناعة في مراكز الفكر مثل (Brookings) بأن اقتحام صنعاء لن ينهي التهديد بل قد يحول اليمن إلى فوضى مسلحة أخطر من الوضع الحالي.

وبالنظر لميزان القوى في اليمن المجزأ نجد التالي:

  • الحدود: منطقة عازلة تقنية وأمنية مع تفاهمات مباشرة مع صنعاء
    الجبهات الداخلية: تستمر السعودية بدعم فصائلها لضمان الدفاع النشط .
    الإقتصاد: تستخدم الرواتب والمنح المالية كأدوات سياسية بدلا من القنابل.

بدورها صنعاء ترد على استراتيجية السعودية باستغلال حاجة الرياض للهدوء لتحقيق مكاسب استراتيجية طويلة الأمد حيث تدرك صنعاء أن نقطة ضعف السعودية الحالية هي رؤية 2030 لذا تستخدم صنعاء استراتيجية التهديد بالعودة إلى المربع صفر كلما تباطأت المفاوضات بهدف إجبار السعودية على تقديم تنازلات اقتصادية مثل دفع الرواتب ورفع القيود عن الموانئ مقابل الصمت العسكري.

وتقول تقارير غربية بينما تسلح السعودية الفصائل المناهضة لصنعاء قامت صنعاء بتحويل طوق العاصمة والجبهات الحيوية إلى مناطق دفاعية صلبة باستخدام خنادق وأنفاق معقدة.

وأضافت التقارير بأن​هم لا يسعون لاقتحام مأرب أو عدن حالياً بل يكتفون بوضعية الترقب مع الحفاظ على تفوق صاروخي يضمن لهم الردع.

وعندما شعرت صنعاء بأن الجبهات الداخلية قد تجمدت بفعل الاستراتيجية السعودية نقلت ثقلها إلى البحر الأحمر و​هذا التحرك أحرج السعودية فمن جهة لا تريد الرياض التصعيد ومن جهة أخرى تجد نفسها مضطرة للتعامل مع سلطة صنعاء التي باتت رقماً صعباً في الملاحة الدولية.

ووفقاً لتحليلات (Crisis Group) فإن صنعاء مستفيدة من هذا الوضع في المدى القصير لكنها تواجه مخاطر في المدى الطويل وأن صنعاء تجد إيجابيات هذا الوضع المتمثلة في توطيد سلطتها وترتيب البيت الداخلي والإعتراف بسلطتها من خلال تفاوض القوى الكبرى.

وبالمقابل هناك مخاطر وتحديات لهذا الوضع تتمثل بالتآكل الشعبي وفشل الإدارة والخدمات وتجميد الموارد السيادية النفط والغاز والحصار المالي.

المصادر الغربية تتساءل وتجيب: إلى متى ستستمر الرياض في دفع ثمن الهدوء دون الحصول على تسوية نهائية؟ والجواب سيناريو متوقع يسمونه ربيع 2026 المتمثل في أن السعودية عندما تشعر أن تسليح الفصائل المناهضة وصل لمرحلة الاحترافية فقد تشجع على عمليات جراحية خاطفة لاستعادة مناطق حيوية.

بدورها صنعاء تلعب لعبة النفس الطويل مع السعودية وتراهن على أن حاجة الرياض للاستقرار الاقتصادي ستجعلها تتنازل أكثر فأكثر مع مرور الوقت.

وتشير تسريبات (Intelligence Online) عن خيوط لم تكن معلنة في السابق تتعلق بكيفية إدارة الجمود في صنعاء مقابل التحركات في المحافظات النفطية والساحلية فسر قوة صنعاء الحالي ليس الصواريخ فقط بل هو تحولها إلى مركز تصدير غير رسمي حيث طورت صنعاء مصانع ذخيرة كلاشينكوف ومواد متفجرة تلبي احتياجاتها ويتم أيضا تصدير جزء منها إلى الصومال والسودان وأفريقيا الوسطى و​هذا الاقتصاد السري يوفر تدفقاً نقدياً بالدولار بعيداً عن الرقابة الدولية مما يمنحها قدرة على الصمود حتى لو توقفت التفاهمات مع السعودية.

بالمقابل الكثير يتساءل لماذا لا تتحرك قوات درع الوطن المدعومة سعودياً برأس مال ضخم نحو صنعاء؟ و​السر الميداني بحسب التقارير الغربية بأن المهمة الحقيقية لهذه القوات في 2026 ليست التحرير بل الإحلال السعودية تستخدمها للسيطرة على المواقع السيادية في عدن وحضرموت والمهرة لذا هي تعيد عسكرة الجنوب لضمان وحدة يمنية (هشة) تخدم أمنها القومي.

وأضافت التقارير الغربية بأن هناك خلف الستار تجري مفاوضات في عمان تتجاوز موضوع الرواتب إلى الاعتراف الجيوسياسي حيث عرضت السعودية صيغة إتفاق أمني تلتزم فيه صنعاء بوقف كامل لأي نشاط عسكري في البحر الأحمر مقابل تمثيل دبلوماسي أو مكتب اتصال في الرياض.

وبالتحول إلى قضية الرواتب فقد تحولت من كونها قضية إنسانية إلى أداة حرب اقتصادية هي الأقوى في يد السعودية لإدارة موازين القوى في صنعاء.

و​إليكم كيف تُدار هذه اللعبة المعقدة بحسب التقارير الاقتصادية والسياسية مثل مجموعة الأزمات الدولية:

​1. الرواتب كجزرة سياسية: فالسعودية تدرك أن الضغط الشعبي داخل مناطق سيطرة صنعاء يزداد بسبب الوضع المعيشي، لذا هي تطرح ملف الرواتب كجزء من صفقة شاملة تتضمن​ الالتزام بالهدنة الطويلة فلا رواتب بدون ضمانات أمنية كاملة للحدود والمنشآت السعودية.
​السعودية تحاول إغراء صنعاء بالاستقرار المالي مقابل تخفيف حدة التصعيد في البحر الأحمر.

​2. ​وتستخدم السعودية القوات التي تم تسليحها وتدريبها مثل درع الوطن كرسالة مفادها أن البديل عن التفاهم حول الموارد (النفط والغاز) هو العودة للصراع المسلح على مناطق الثروة.

​الرياض تدعم موقف البنك المركزي في عدن بقرارات تقيد حركة الأموال نحو صنعاء مما يجعل سلطة صنعاء في حالة خنق مالي دائم وصولا لقبول لشروط التفاوض السعودي.

​3. استراتيجية صنعاء الرواتب مقابل النفط ف​صنعاء ترد بمعادلة واضحة لن تسمح بتصدير النفط والغاز من مأرب وحضرموت الواقعة تحت نفوذ السعودية إلا إذا ذهبت حصة منها لدفع رواتب الموظفين و​هذا وضع السعودية في مأزق فهي لا تريد خسارة عوائد النفط لليمن التي تخفف عنها عبء الدعم المالي للحكومة وفي نفس الوقت لا تريد تمويل ميزانية سلطة صنعاء بشكل مباشر.

​4. هل شراء السعودية للاستقرار سينجح هنا؟​ المصادر الغربية ترى أن السعودية قد تلجأ في نهاية المطاف إلى آلية صرف عبر طرف ثالث مثل الأمم المتحدة أو بنك وسيط لدفع الرواتب.

​النتيجة المتوقعة لعام 2026 السعودية ستستمر في المماطلة بملف الرواتب طالما أن الوضع في البحر الأحمر مستمر كما هو وستستخدم فصائلها المناهضة لصنعاء كقوة جاهزة للتحرك نحو منابع النفط إذا حاولت صنعاء كسر قواعد اللعبة بالقوة.

وهناك تقارير غربية تتحدث عن قناة اتصال مباشرة بين ضباط سعوديين وقيادات في صنعاء لتنسيق الملاحة في البحر الأحمر وهو السر الأكبر الذي يثير جنون واشنطن، فالسعودية تريد ضمان مرور ناقلاتها النفطية بأمان دون الحاجة للاعتماد على الحماية الأمريكية التي تراها الرياض غير كافية ومستفزة للصراع المفارقة أن الرياض قد تكون وافقت على غض الطرف عن بعض عمليات صنعاء ضد سفن مرتبطة بإسرائيل مقابل حصانة كاملة للسفن السعودية والناقلات المتجهة للموانئ السعودية.

ويقال أن السعودية بدأت بالفعل بتمويل صناديق إعادة إعمار مصغرة في مناطق سيطرة صنعاء تحت غطاء إنساني كدفعات ترضية لضمان استمرار صمت المدافع والغرب يرى في ذلك شرعنة اقتصادية مبكرة لسلطة صنعاء قبل التوصل لاتفاق سياسي رسمي.

وتطرح التقارير الغربية خريطة المصالح السرية لعام ٢٠٢٦ كالتالي:

  • – التواجد العسكري ما تعلنه سعودية (دعم الشرعية) ولكن ما يحدث في الغرف المغلقة مفاوضات إنسحاب كامل من الجزر والموانئ مقابل ضمانات أمنية.
    – العلاقة مع إيران ما تعلنه السعودية (تطبيع حذر مع إيران) وما يحدث في الغرف المغلقة إستخدام طهران كوسيط للضغط على صنعاء لخفض سقف مطالبها.
    – مستقبل اليمن ما تعلنه السعودية (يمن) واحد وما يحدث في الغرف المغلقة تريد (يمنين أو ثلاثة) طالما أن حدودها مؤمنة.

الخلاصة:

​التقارير تقول أن السعودية وصنعاء وصلا إلى قناعة بأن الاستنزاف المتبادل انتهى وأن كلاً منهما يحتاج الآخر، فالرياض تحتاج صنعاء لضمان نجاح رؤية 2030 وصنعاء تحتاج الرياض لتكون بوابتها للاعتراف الدولي والسيولة المالية.

​معركة صنعاء وساعة الصفر التي يسأل عنها الكثيرون تم استبدالها في الأروقة السرية بصفقة صنعاء فالرياض أدركت أن كلفة إزاحة صنعاء عسكرياً تعني تدمير رؤيتها 2030 و​صنعاء أدركت أن الحكم بدون سيولة مالية ورواتب واعتراف إقليمي هو انتحار بطيء والنتيجة صفقة صنعاء هي زواج الضرورة حيث تشتري السعودية الأمن الحدودي ونجاح رؤيتها مقابل منح صنعاء شرعية الأمر الواقع.

ومع ذلك يبقى هذا التوازن هشاً إذا لم بتقدم للأمام بمصداقية وصولا إلى علاقات حقيقية لإزدهار البلدين .. لأنه إذا شعر أحد الطرفين أن زمن الانتظار بات يهدد وجوده الداخلي فإن فتيل الانفجار سيكون أقرب مما يتخيله مهندسو هذه الصفقة إذا كانت حقيقية.

* سياسي يمني.

 

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com