“الرياض“| في تحركات أمريكية مكثفة في جنوب اليمن.. واشنطن تعيد ترتيب نفوذها على بوابة البحر الأحمر..!

5٬997

أبين اليوم – خاص 

كثّف السفير الأمريكي لدى اليمن، ستيفن فاجين، خلال الأيام الماضية لقاءاته مع طيف واسع من القوى والفاعلين في جنوب اليمن، شملت أعضاء في “المجلس الرئاسي”، ومسؤولين محليين، وشخصيات قبلية، في تحركات يرى مراقبون أنها تأتي في إطار مساعٍ أمريكية لتعزيز حضور واشنطن في المناطق الساحلية والمنافذ البحرية الاستراتيجية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن.

وخلال أسبوع واحد، عقد فاجين لقاءات مع عضوَي “المجلس الرئاسي” المنضمَّين حديثًا محمود الصبيحي وسالم الخنبشي، إلى جانب اجتماعات مع رئيس الوزراء شائع الزنداني، ومحافظ المهرة محمد علي ياسر، ووزير الشباب والرياضة نايف البكري، ورئيس تحالف قبائل حضرموت الشيخ عمرو بن حبريش.

ورغم كثافة هذه اللقاءات وتنوع الجهات التي شملتها، لم يظهر في مضامينها أي تركيز جدي على إشكاليات الصراع الداخلي في الجنوب أو ملفات التوافق بين مكوناته السياسية والعسكرية، حيث بدت هذه القضايا هامشية مقارنة بالملف الذي تصدّر النقاشات، والمتعلق بأمن السواحل والمنافذ البحرية وخطوط الملاحة.

وتركزت البيانات الرسمية الصادرة عقب الاجتماعات على عناوين محددة، من أبرزها مكافحة الإرهاب، ومراقبة السواحل والمعابر، والتصدي لعمليات التهريب، وقطع مصادر تمويل صنعاء، وهو ما يعكس – وفق متابعين – أن الأولوية الأمريكية تنصرف إلى إحكام السيطرة على الممرات البحرية وتأمين حركة التجارة الدولية، أكثر من انشغالها بدعم مسار سياسي يمني شامل.

ويرى مراقبون أن هذا النشاط الدبلوماسي المكثف يندرج ضمن مقاربة أمريكية أوسع للتعامل مع اليمن، باعتباره ساحة متقدمة ضمن معادلة الصراع الإقليمي مع إيران والتنافس الدولي على طرق الملاحة، لا كملف مستقل يبحث عن تسوية سياسية مستدامة.

تحليل:

في قراءة لهذا الحراك، يتضح أن تحركات السفير الأمريكي في جنوب اليمن لا تستهدف إعادة توازن المشهد السياسي الجنوبي بقدر ما تستهدف إعادة ضبط الخريطة الأمنية للمناطق الساحلية والبرية المتصلة بالمنافذ الحيوية.

فاختيار الشخصيات التي التقاها فاجين لم يكن عشوائيًا، بل عكس تركيزًا واضحًا على مراكز النفوذ القادرة على التأثير في القرار الأمني والميداني، سواء داخل “المجلس الرئاسي” أو على مستوى المحافظات الحدودية والساحلية أو عبر البنية القبلية، كما في حالة حضرموت.

اللافت أن تغييب ملف الخلافات الجنوبية – الجنوبية، والصراع بين المكونات المسلحة، ومسألة شكل السلطة في الجنوب، يؤكد أن واشنطن لا تنظر إلى الجنوب كقضية سياسية مركبة تحتاج إلى تسوية داخلية، بل كحيز جغرافي – أمني وظيفته الأساسية خدمة ترتيبات إقليمية أكبر تتعلق بأمن البحر الأحمر وباب المندب وخطوط الإمداد العالمية.

وهو ما يفسر لماذا تمحورت النقاشات حول عناوين تقنية وأمنية مثل “مراقبة السواحل” و”مكافحة التهريب” و”قطع التمويل”، بينما غابت كليًا أي إشارات لمسار سياسي أو معالجة جذور الانقسام.

كما أن إدراج “قطع مصادر تمويل صنعاء” ضمن أولويات اللقاءات يكشف بوضوح أن الجنوب يُعاد تعريفه في الاستراتيجية الأمريكية بوصفه قاعدة ضغط اقتصادي وأمني في مواجهة أنصار الله، وليس كجزء من معادلة وطنية تهدف إلى إنهاء الحرب.

وبذلك، يتحول الجنوب عمليًا إلى خط تماس غير معلن في الصراع الأمريكي – الإيراني الممتد من البحر الأحمر إلى الخليج.

الأهم من ذلك أن الانفتاح الأمريكي على أطراف متعددة في وقت واحد، من المجلس الرئاسي إلى القبائل، يعكس محاولة واشنطن تفادي الارتهان الكامل لأي مكون محلي بعينه، وبناء شبكة نفوذ مرنة قادرة على التكيف مع أي تغييرات قادمة في موازين القوى داخل الجنوب.

هذه المقاربة تقوم على توزيع الرهان بدل حسمه، بما يضمن استمرار النفوذ الأمريكي بغض النظر عن شكل السلطة أو هوية المسيطرين مستقبلاً.

في المحصلة، فإن هذا النشاط الدبلوماسي لا يمكن فصله عن إعادة تموضع أمريكي أوسع في البحر الأحمر، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتحوّل الممرات البحرية إلى أحد أبرز ميادين الصراع الدولي.

وضمن هذا السياق، لا يبدو أن اليمن – ولا الجنوب تحديدًا – يحظى في الرؤية الأمريكية بفرصة حقيقية للخروج من أزمته، بقدر ما يُعاد توظيفه كأداة جيوسياسية لحماية المصالح البحرية والاقتصادية والعسكرية للولايات المتحدة وشركائها.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com