“تقرير“| ببيادق جنوبية.. هكذا تحاول السعودية رسم خارطة “اليمن المجزأ”..!
أبين اليوم – تقارير
تتجه الآلة الإعلامية السعودية خلال الفترة الأخيرة إلى إبراز ملف المساعدات والخدمات في المحافظات الجنوبية والشرقية، في سياق تطبيع الأوضاع بعد نجاح الرياض في تقليص الدور الإماراتي في هذه المناطق. غير أن هذا الخطاب الخدمي يترافق، عملياً، مع سياسة سيطرة لا تختلف في جوهرها عن سياسة أبو ظبي، بل تتجاوزها.
ففي حين كانت الإمارات تدعم مشروع انفصال الجنوب ككيان واحد، تتجه السعودية اليوم إلى دعم مسار أكثر تعقيداً يقوم على تفتيت الجنوب ذاته، عبر فصل المحافظات الشرقية عن بقية الجغرافيا الجنوبية، وتحويل مشروع الانفصال من شعار سياسي إلى أداة لإعادة تشكيل الخارطة.
ولم تعد «وحدة اليمن» حاضرة في خطاب الرياض بوصفها هدفاً سياسياً حقيقياً، بل بات مشروع التفتيت والانفصال بمواصفات جديدة هو العنوان الأبرز للمشهد، وهو ما ينعكس في رفع أعلام الانفصال في مختلف الفعاليات والمرافق بالمحافظات الجنوبية، بما في ذلك الجلسات التحضيرية لمؤتمر الحوار الجنوبي الذي ترعاه السعودية.
وفي مشهد حمل دلالات سياسية واضحة، شهدت ساحة العروض في عدن، الأسبوع الماضي، تظاهرة غير مسبوقة رُفعت فيها أعلام الانفصال إلى جانب العلم السعودي، في ما اعتُبر إشارة سياسية إلى مرحلة جديدة تسعى فيها الرياض لإعادة هندسة المشهد الجنوبي بعيداً عن نفوذ الإمارات والمجلس الانتقالي، ووفق صيغة تضمن لها نفوذاً طويل الأمد.
وتشير التحركات السعودية الأخيرة إلى تحول في طريقة إدارة الملف اليمني، فبعد سنوات من التمسك بخطاب «الوحدة» في المحافل الدبلوماسية، تبدو الرياض اليوم أكثر ميلاً إلى تبني مشروع انفصال مُعاد تعريفه، يخدم أولوياتها الأمنية والجيوسياسية.
وفي إطار سعيها للسيطرة على الأطراف الموالية للإمارات، لجأت السعودية إلى مجاراة خطاب الانفصال كوسيلة لطمأنة تلك الأطراف، مقابل العمل على احتوائها تدريجياً، وفي الوقت نفسه دعم قوى موالية لها مباشرة، عبر تشكيلات عسكرية مثل «درع الوطن» وحواضن قبلية في عدن ولحج، بهدف سحب تمثيل «القضية الجنوبية» من المجلس الانتقالي الذي تراجع حضوره فعلياً في ميزان القوة على الأرض.
ولا يقتصر التوجه السعودي على إضعاف الانتقالي في عدن، بل يمتد إلى الركيزة الأهم في رؤيتها لليمن المقبل، والمتمثلة في فصل المحافظات الشرقية – وفي مقدمتها حضرموت والمهرة – عن بقية الجنوب والشمال معاً. وقد برز ذلك بوضوح في مواقف وبيانات كيانات مدعومة سعودياً، مثل «حلف قبائل حضرموت» و«مؤتمر حضرموت الجامع»، التي تؤكد أن حضرموت «طرف مستقل» لا يتبع صنعاء ولا عدن.
ويهدف هذا التوجه إلى عزل الكتلة الجغرافية والاقتصادية الأهم في اليمن وتحويلها إلى أقاليم تدور مباشرة في الفلك السعودي، بما ينسجم مع طموحات الرياض في تأمين منفذ استراتيجي على بحر العرب، وتأمين حدودها الجنوبية عبر كيانات ضعيفة ومرتبطة بها سياسياً وعسكرياً.
ويرى مراقبون أن الصيغة السعودية للانفصال تختلف جذرياً عن المشروع الذي تبنته القوى المدعومة إماراتياً، إذ لا تقوم على استعادة دولة جنوبية موحدة بحدود ما قبل 1990، بل على إنتاج جنوب مُجزّأ داخلياً، عبر ما يشبه «فيدرالية جهوية» تقوم على أقاليم متنازعة (عدن، حضرموت، المهرة)، بما يمنع نشوء سلطة مركزية قوية شمالاً أو جنوباً.
كما تعتمد هذه المقاربة على تفكيك الكتلة العسكرية الجنوبية من خلال ضرب المكونات المسلحة ببعضها البعض، وتحويل الأقاليم الجديدة إلى كيانات تعتمد كلياً على الدعم السعودي.
وفي هذا السياق، تتيح السعودية هامشاً واسعاً للخطاب الانفصالي في الشارع والسياسة، في محاولة لإيهام القوى الانفصالية بأنها تدعم مشروعها التقليدي، بينما يجري عملياً إدخال الجنوب في مسار تدويل ومناطقية يعيد تعريف الانفصال بما يخدم المصالح السعودية وحدها.
وعليه يمكن القول:
ما تكشفه الوقائع المتراكمة لا يشير إلى انتقال سعودي من «الوحدة» إلى «الانفصال» بالمعنى الذي تريده القوى الجنوبية، بل إلى انتقال من إدارة صراع النفوذ مع الإمارات إلى إنتاج نموذج جديد للسيطرة يقوم على تفتيت الجنوب ذاته.
فرفع أعلام الانفصال إلى جانب العلم السعودي، ورعاية حوار جنوبي تحت السقف نفسه، لا يعكسان قبولاً باستعادة دولة جنوبية، بل تأطيراً سياسياً لانفصال مُفرغ من مضمونه السيادي.
جوهر المقاربة السعودية يتمثل في تحويل الجنوب إلى مجموعة أقاليم وظيفية ضعيفة ومتنافسة، مع عزل حضرموت والمهرة بوصفهما الثقل الجغرافي والاقتصادي الحقيقي، وربطهما مباشرة بالمصالح الاستراتيجية للمملكة.
بهذا المعنى، لا تعمل الرياض على تمكين الجنوب، بل على منع تشكل أي كيان جنوبي موحد قد يمتلك مستقبلاً قراراً سيادياً مستقلاً، واستبدال مشروع الدولة – شمالاً أو جنوباً – بمشهد من الكيانات الهشة القابلة للإدارة من الخارج، وهو ما يحول خطاب «دعم الانفصال» إلى أداة لتمرير مشروع تفتيت طويل الأمد لا يقل خطورة عن الصراع العسكري نفسه.