“تقرير خاص“| رغم إخراجها من المشهد رسمياً.. لماذا عملت السعودية على إشراك القوى الموالية للإمارات في “حكومة الزنداني”..!
أبين اليوم – خاص
لا يمكن قراءة تشكيل “الحكومة” الجديدة في جنوب وشرق اليمن بوصفه إجراءً سياسياً عادياً أو خطوة لإدارة مرحلة انتقالية، بل كرسالة استراتيجية تعكس طبيعة المقاربة السعودية الفعلية للملف اليمني بعد إخراج الإمارات شكلياً من المشهد.
فبدلاً من أن تمثل هذه الحكومة نقطة تحول في مسار السيطرة والانفراد بإدارة المناطق الخاضعة لها، جاءت تركيبتها لتؤكد أن الرياض ما تزال أسيرة معادلة المحاصصة مع أدوات أبوظبي، وأن الصراع داخل معسكر التحالف لم يُحسم، بل جرى إعادة تدويره داخل بنية السلطة نفسها.
ومنذ اللحظة الأولى، يظهر أن الحكومة لم تُصمم لمعالجة الانهيار الاقتصادي أو ترميم مؤسسات الدولة، وإنما لتكريس توازن هش بين مشاريع متناقضة، في مقدمتها مشروع الانفصال، وتحويل هذا التناقض إلى قاعدة حكم دائمة، لا إلى أزمة طارئة قابلة للاحتواء.
وكشف إعلان تشكيل “الحكومة” الجديدة في مناطق جنوب وشرق اليمن، برئاسة شائع الزنداني، عن استمرار مراعاة السعودية لتوازنات سياسية وعسكرية كان يفترض – بحسب مراقبين – أنها انتهت بعد إخراج الإمارات من المشهد اليمني في 30 ديسمبر الماضي.
وأثار توزيع الحقائب الوزارية حالة واسعة من الاستغراب في الأوساط السياسية والإعلامية داخل مناطق سيطرة الرياض، بعدما مُنحت شخصيات معروفة بولائها لأبوظبي سبع حقائب وزارية ضمن التشكيلة الجديدة، رغم تصاعد التوتر بين الفصائل المحسوبة على الدولتين خلال الفترة الأخيرة.
وجاء إعلان الحكومة الجديدة عشية أحداث شهدتها مدينة سيئون في محافظة حضرموت، أقدمت خلالها جماعات موالية للإمارات على إحراق صور الملك السعودي وولي عهده، في مدينة تُعد من أبرز مناطق النفوذ المباشر للفصائل الموالية للرياض، في واقعة وُصفت بأنها امتداد لسلسلة تحركات احتجاجية مناهضة للوجود السعودي جنوب وشرق اليمن.
ورغم هذه التطورات، لم تمثل الأحداث عائقاً أمام تقاسم المناصب الوزارية بين الفصائل الموالية للإمارات ونظيرتها الموالية للسعودية، حيث حصلت القوى المحسوبة على أبوظبي على سبع حقائب وزارية في الحكومة الجديدة، بما يؤشر – وفق متابعين – إلى تكريس معادلة محاصصة سياسية مرشحة للتمدد إلى مختلف مفاصل الحياة العامة في مناطق النفوذ السعودي.
ويرى مراقبون أن الرياض تواصل، في هذا السياق، التعاطي مع الجماعات الداعية للانفصال، في إطار التزامات سياسية إقليمية ودولية، وعدم تبني أي مقاربة جادة تصب في اتجاه الحفاظ على اليمن دولة موحدة، وهو ما ينعكس بوضوح في تركيبة الحكومة الجديدة.
وضمّت التشكيلة تعيين القيادي في المجلس الانتقالي الجنوبي أحمد الصالح وزير دولة، إلى جانب خمسة وزراء آخرين محسوبين على المجلس، إضافة إلى تعيين عبدالله أبو حورية، المحسوب على طارق صالح، وزيراً لشؤون مجلسي النواب والشورى.
ويؤكد هذا التوزيع، بحسب محللين، أن السعودية ما تزال ملتزمة بالتعامل مع القوى الانفصالية وتعزيز حضورها السياسي، رغم تصاعد الخطاب العدائي لبعض تلك القوى تجاه الرياض، والذي وصل في مناسبات سابقة إلى إحراق صور الملك وولي عهده وإطلاق هتافات مناوئة خلال مظاهرات نُفذت في عدد من مدن الجنوب والشرق.
في المقابل، يرى ناشطون أن إشراك القوى الموالية للإمارات في الحكومة الجديدة قد يكون توجهاً مقصوداً من الرياض لاستخدام حالة الانقسام داخل الحكومة ذريعة لعدم المضي في أي إصلاحات اقتصادية أو خدمية حقيقية لصالح المواطنين، تحت مبرر غياب الانسجام بين مكونات الحكومة، وبما يفتح المجال لاستمرار الانهيار الاقتصادي وتفشي الفساد في ظل صراع سياسي مزمن.
وعليه يمكن القول:
ليست «الحكومة» الجديدة في جنوب وشرق اليمن سوى إعلان سياسي صريح عن فشل الرياض في مغادرة منطق إدارة الوكلاء، وعجزها عن الانتقال من مرحلة توزيع النفوذ إلى مرحلة بناء سلطة، بل إنها – على العكس – أعادت إنتاج معادلة الشراكة نفسها مع أدوات أبوظبي، في لحظة يفترض أنها لحظة حسم بعد إخراج الإمارات شكلياً من المشهد.
فأن تمنح السعودية سبع حقائب وزارية لقوى تدين بالولاء للإمارات، بالتزامن مع تصاعد خطاب عدائي ضدها في الشارع الجنوبي وصل إلى إحراق صور الملك وولي عهده في سيئون، فهذا لا يمكن قراءته كخطأ في التقدير، بل كخيار سياسي واعٍ يقوم على تغليب هندسة التفكيك وإدارة الصراع الداخلي على أي تصور لبناء دولة أو حتى سلطة مستقرة.
الأخطر من ذلك أن تركيبة الحكومة تكشف أن الرياض لم تعد تتعامل مع مشروع الانفصال كخطر استراتيجي على نفوذها في اليمن، بل كأداة وظيفية لإدارة الجنوب والشرق، وضبط توازن الفصائل، وتبرير الشلل التنفيذي القادم.
فتمكين المجلس الانتقالي وشبكة طارق صالح داخل الحكومة، رغم عدائهم العلني للسعودية، يعني عملياً أن الانقسام لم يعد نتيجة الصراع، بل أصبح جزءاً من بنيته الرسمية، ومكوناً مقصوداً في هندسة الحكم.
وبذلك، تتحول «الحكومة» من إطار يفترض أن يعالج الانهيار الاقتصادي والخدمي، إلى مظلة سياسية لتقاسم الغنائم، وإلى آلية جاهزة لتعطيل أي مساءلة، عبر تحميل الفشل مسبقاً لـ«عدم الانسجام» بين المكونات، في مشهد يؤكد أن الجنوب والشرق يُداران اليوم كمساحة نفوذ متنازع عليها، لا كجزء من دولة يُراد لها أن تبقى.