“تقرير“| تراجع النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط: من الهيمنة المطلقة إلى معادلة التآكل الاستراتيجي..!

7٬881

أبين اليوم – خاص 

تقرير/ عامر محمد الفائق:

لم يعد الحديث عن تراجع النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط مجرد تحليل سياسي أو توقع مستقبلي، بل أصبح واقعاً يفرض نفسه بقوة على ضوء التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة والعالم. فخلال العقود الماضية، قدمت الولايات المتحدة وجودها العسكري وقواعدها المنتشرة في المنطقة باعتبارها ضرورة لحماية الاستقرار الإقليمي وضمان أمن حلفائها. غير أن الواقع الذي تكشفه الأحداث اليوم يضع هذه الرواية تذهب مع الريح.

لقد خاضت واشنطن سلسلة طويلة من المواجهات المباشرة وغير المباشرة في المنطقة، سواء عبر الحروب العسكرية أو العقوبات الاقتصادية أو الضغوط السياسية، فمن الحرب المفتوحة مع روسيا على الساحة الأوكرانية، إلى الدعم المطلق للحرب في غزة، مروراً بالحرب على إيران، والحروب على اليمن والعراق ولبنان، حاولت الولايات المتحدة فرض معادلات جديدة تعيد تثبيت هيمنتها وتؤكد قدرتها على إدارة النظام الدولي والإقليمي لكن النتائج حتى الآن تشير إلى عكس ذلك تماماً.

في غزة، ورغم الدعم العسكري والسياسي غير المحدود الذي تقدمه واشنطن لإسرائيل، لم تستطع الحرب تحقيق الأهداف المعلنة المتمثلة في إنهاء المقاومة أو فرض واقع سياسي جديد في القطاع. بل تحولت الحرب إلى أزمة دولية كشفت حجم التناقض بين الخطاب الأمريكي حول حقوق الإنسان وبين ممارسات حليفتها في الميدان، الأمر الذي أضعف كثيراً من صورة الولايات المتحدة ومصداقيتها أمام الرأي العام العالمي.

أما في اليمن، فقد فشلت سنوات الحرب والحصار في تحقيق الأهداف التي أعلنتها القوى الداعمة للتحالف. وعلى العكس، تحولت الساحة اليمنية إلى مثال واضح على حدود القوة العسكرية التقليدية في مواجهة حركات مقاومة قادرة على الصمود وتطوير قدراتها بمرور الوقت. كما أصبحت العمليات المرتبطة بالصراع في البحر الأحمر عاملاً إضافياً يضع الوجود العسكري الأمريكي أمام حقائق وواقع جديد دون أن ينجح في فرض سيطرة حاسمة.

وفي العراق ولبنان، يتكرر المشهد ذاته. فالوجود العسكري الأمريكي الذي كان يُقدَّم باعتباره ضمانة للاستقرار تحول في نظر قطاعات واسعة من شعوب المنطقة إلى مصدر للتوتر وعدم الاستقرار. ومع تصاعد المطالبات السياسية والشعبية بإنهاء هذا الوجود، ودعم اسرائيل جعل واشنطن تجد نفسها أمام معادلة أكثر تعقيداً: البقاء مكلف سياسياً وأمنياً، والانسحاب يحمل في طياته اعترافاً بتراجع النفوذ.

أما إيران، التي شكلت لسنوات محوراً أساسياً في الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، فقد أثبتت أن سياسة اغتيال القادة و”الضغط الأقصى” لم تحقق أهدافها. فبدلاً من إضعاف طهران أو تغيير سلوكها الإقليمي، أدت تلك السياسات إلى تعميق شبكة تحالفاتها وتعزيز قدراتها العسكرية والاقتصادية، وهو ما جعل مواجهة ايران يعود بنتيجة عكسية على استمرار تواجدها خياراً بالغ الخطورة بالنسبة لواشنطن.

هذه الوقائع كشفت حقيقة الدور الذي تؤديه القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في المنطقة. فبينما تم تسويقها طويلاً باعتبارها وسيلة لحماية دول الخليج وضمان أمن المنطقة، إلا أن وظيفتها الحقيقية ترتبط أساساً بحماية اسرائيل وضمان استمرار تفوقها في الشرق الأوسط.

ومع تغير موازين القوى الدولية وصعود قوى عالمية جديدة في المسرح الدولي، لم يعد الشرق الأوسط الساحة الآمنة والأهم في الحسابات الاستراتيجية الأمريكية. فواشنطن باتت مضطرة لإعادة توزيع مواردها العسكرية والسياسية في مواجهة منافسين كبار على مستوى العالم، وهو ما يجعل استمرار الانتشار العسكري الواسع في القواعد العسكرية في الشرق الأوسط عبئاً ثقيلاً يصعب تحمله على المدى الطويل.

كل ذلك لا يعني بالضرورة انسحاباً أمريكياً فورياً أو كاملاً من المنطقة، لكن المؤشرات المتراكمة تدل على أن مرحلة الهيمنة المطلقة التي تمتعت بها الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب الباردة تقترب من نهايتها. فالعالم يتجه نحو نظام دولي أكثر تعددية، والمنطقة نفسها تشهد تحولات عميقة في موازين القوة والتحالفات.

وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن السؤال لم يعد ما إذا كانت الولايات المتحدة ستغادر المنطقة، بل متى وكيف سيحدث ذلك، وما الشكل الجديد للنظام الإقليمي الذي سيولد بعد تراجع النفوذ الأمريكي. فالتاريخ يعلمنا أن القوى العظمى قد تبقى طويلاً، لكنها في النهاية لا تستطيع الاحتفاظ بنفوذها إلى الأبد إذا تغيرت موازين القوة على الأرض.

وهكذا، فإن ما نشهده اليوم قد يكون بداية مرحلة جديدة في تاريخ المنطقة والشرق الأوسط، مرحلة تتشكل فيها معادلات مختلفة، وتبحث فيها شعوب المنطقة عن دور أكبر في رسم مستقبلها بعيداً عن الهيمنة الخارجية.

وعليه يمكننا القول:

إذا نظرنا إلى المشهد من زاوية أوسع، فإن ما يجري لا يمكن تفسيره فقط باعتباره تراجعاً ظرفياً في النفوذ الأمريكي، بل باعتباره تحولاً بنيوياً في طبيعة النظام الإقليمي الذي تشكل في الشرق الأوسط بعد نهاية الحرب الباردة.

فقد قامت الهيمنة الأمريكية طوال العقود الثلاثة الماضية على ثلاث ركائز رئيسية: التفوق العسكري المطلق، والقدرة على ضبط شبكة التحالفات الإقليمية، والهيمنة على السردية السياسية والأخلاقية التي تمنح تدخلاتها شرعية دولية. واليوم تبدو هذه الركائز الثلاث جميعها تحت ضغط متزايد.

فعلى المستوى العسكري، لم تعد القوة التقليدية الأمريكية قادرة على تحقيق الحسم السريع في الحروب غير المتكافئة التي تميز صراعات المنطقة. فالنموذج الذي اعتمدت عليه واشنطن لعقود – القائم على التفوق الجوي والضربات الدقيقة والقواعد العسكرية المتقدمة – أصبح أقل فعالية في مواجهة خصوم يعتمدون على الحروب غير المتماثلة والشبكات العسكرية اللامركزية.

وهذا ما ظهر بوضوح في تجارب العراق وأفغانستان، ثم تكرر لاحقاً في اليمن وغزة، حيث أثبتت الحركات المحلية أن القدرة على الصمود والاستنزاف قد تكون أكثر تأثيراً من التفوق العسكري التقليدي.

أما على مستوى التحالفات، فقد بدأت منظومة الشراكات التي بنتها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط تظهر علامات تآكل تدريجي. فالكثير من حلفاء واشنطن التقليديين باتوا ينتهجون سياسات أكثر استقلالية، ويحاولون تنويع شراكاتهم الاستراتيجية مع قوى دولية أخرى مثل روسيا والصين.

وهذا التحول لا يعني بالضرورة القطيعة مع الولايات المتحدة، لكنه يعكس إدراكاً متزايداً لدى هذه الدول بأن النظام الدولي يتجه نحو تعددية قطبية تقل فيها قدرة أي قوة منفردة على احتكار القرار.

العامل الثالث، وربما الأكثر تأثيراً على المدى البعيد، يتعلق بتراجع الهيمنة السردية للولايات المتحدة. فخلال العقود الماضية استطاعت واشنطن إلى حد كبير أن تقدم تدخلاتها العسكرية والسياسية في إطار خطاب يقوم على حماية الديمقراطية وحقوق الإنسان والاستقرار الدولي.

غير أن الحروب المتكررة في المنطقة، وما رافقها من أزمات إنسانية كبرى، أدت إلى تآكل هذه السردية تدريجياً، خصوصاً مع تزايد التناقض بين الخطاب السياسي والممارسات الميدانية.

لكن التراجع النسبي في النفوذ الأمريكي لا يعني أن المنطقة تتجه ببساطة إلى فراغ استراتيجي، بل إلى مرحلة انتقالية أكثر تعقيداً. ففي الواقع، لا توجد حتى الآن قوة دولية واحدة قادرة أو راغبة في وراثة الدور الذي لعبته الولايات المتحدة في الشرق الأوسط بشكل كامل.

فروسيا تملك حضوراً عسكرياً وسياسياً مؤثراً في بعض الملفات، لكنها تفتقر إلى الموارد الاقتصادية الكافية لبناء منظومة نفوذ شاملة. أما الصين، فهي تميل إلى توسيع حضورها الاقتصادي والتجاري دون الانخراط المباشر في الصراعات الأمنية المعقدة التي تميز المنطقة.

لهذا السبب، يبدو أن الشرق الأوسط يتجه نحو نموذج جديد من التوازنات يقوم على تعدد الفاعلين الدوليين والإقليميين، حيث تتقاطع مصالح القوى الكبرى مع طموحات القوى الإقليمية الصاعدة.

وفي مثل هذا السياق، تصبح الدول المحلية أكثر قدرة على المناورة بين هذه القوى، بدلاً من الارتباط بمحور دولي واحد كما كان الحال في العقود الماضية.

ومن زاوية استراتيجية أعمق، يمكن القول إن التحدي الأكبر الذي تواجهه الولايات المتحدة في الشرق الأوسط لا يتعلق فقط بصعود خصومها، بل بتغير طبيعة القوة نفسها في النظام الدولي. فالقوة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تُقاس فقط بعدد القواعد العسكرية أو حاملات الطائرات، بل بقدرة الدولة على التأثير في الاقتصاد العالمي، والتحكم في سلاسل الإمداد، وامتلاك التفوق التكنولوجي. وفي هذا المجال تحديداً، باتت المنافسة بين القوى الكبرى أكثر تركيزاً في مناطق مثل شرق آسيا والمحيط الهادئ، وهو ما يقلل تدريجياً من مركزية الشرق الأوسط في الاستراتيجية الأمريكية.

وبناءً على ذلك، فإن ما نشهده اليوم قد لا يكون انسحاباً أمريكياً بقدر ما هو إعادة تموضع استراتيجي. فواشنطن قد لا تغادر المنطقة بشكل كامل، لكنها ستسعى على الأرجح إلى تقليل التزاماتها العسكرية المباشرة، والاعتماد بدرجة أكبر على الشركاء الإقليميين لإدارة التوازنات المحلية.

وفي هذا الإطار، قد يصبح الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة ساحة لتوازنات مرنة ومعقدة، تتداخل فيها المصالح الدولية مع حسابات القوى الإقليمية، بدلاً من أن يكون فضاءً خاضعاً لهيمنة قوة عظمى واحدة. وهذا التحول، إن استمر، قد يفتح الباب أمام مرحلة تاريخية جديدة تعيد تشكيل بنية النظام الإقليمي في المنطقة، وتمنح الفاعلين المحليين دوراً أكبر في تحديد مسار مستقبلهم السياسي والأمني.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com