“تقرير“| ما وراء التعزيزات الجديدة في عدن.. هندسة عسكرية جديدة على جمر الحسابات الإقليمية..!
أبين اليوم – تقارير
لم تعد التحركات العسكرية الأخيرة في العاصمة المؤقتة عدن، المتمثلة في تدفق التعزيزات والتمدد الممنهج لقوات “العمالقة” في مفاصل المدينة الحيوية، مجرد ردود فعل أمنية مؤقتة أو إجراءات احترازية تلت تفجير “معسكر الصولبان”.
إننا أمام عملية “إعادة هندسة” راديكالية ومكتومة للمشهد العسكري والأمني في الجنوب، تتجاوز تكتيكات الانتشار الميداني لتلامس عمق التوازنات السياسية القائمة. هذا التموضع الجديد يُزيح الستار عن رغبة حثيثة في إعادة رسم خارطة القوة، ونقل مراكز الثقل من تشكيلات تقليدية هيمنت على المدينة لسنوات، إلى قوى صاعدة يُراد لها أن تكون ضابط الإيقاع القادم في إحدى أكثر الجغرافيات اليمنية حساسية وتعقيداً.
وتكتسب هذه التحولات أبعاداً استراتيجية بالغة الأهمية بالنظر إلى توقيتها ومسارها؛ فهي تأتي في لحظة سياسية حرجة يواجه فيها “المجلس الانتقالي الجنوبي” ضغوطاً مركبة لتقليص نفوذه الإداري والعسكري داخل معقله الرئيسي.
إن هذا التزامن يكشف عن وجود تفاهمات وإرادات إقليمية ودولية غير معلنة، تسعى إلى تفكيك بؤر التنافس الفوضوي ومحاولة صياغة واقع أمني جديد يتناغم مع التسويات السياسية المرتقبة لمستقبل الجنوب. وفي غياب الإفصاح الرسمي، تظل عدن ساحة مفتوحة على احتمالات شتى: فإما أن تفضي هذه الضغوط العسكرية الهادئة إلى “إعادة ضبط” سلمية لموازين القوى، أو أن تتحول المدينة مجدداً إلى نقطة انفجار واختبار دموي لإرادات كسر العظم بين مشاريع النفوذ المتصادمة.
كما تشير التعزيزات العسكرية الجديدة التي وصلت إلى مدينة عدن، برفقة وحدات من قوات العمالقة، إلى أن المدينة تدخل مرحلة جديدة من إعادة ترتيب المشهد الأمني والعسكري، في ظل سلسلة من التطورات المتلاحقة التي شهدتها خلال الأشهر الماضية.
ورغم غياب أي توضيح رسمي حول طبيعة المهمة التي جاءت من أجلها هذه القوات، فإن توقيت وصولها وحجم التحركات الجارية على الأرض يفتحان الباب أمام العديد من التساؤلات بشأن الأهداف الحقيقية لهذه التعزيزات وما إذا كانت مرتبطة باستعدادات لمواجهة محتملة مع المجلس الانتقالي الجنوبي أو أنها تأتي في إطار إعادة تنظيم الانتشار العسكري فقط.
خلال الفترة الماضية شهدت عدن عملية إعادة توزيع للقوات داخل المدينة، حيث انتقلت السيطرة على عدد من المواقع والمنشآت الحيوية إلى قوات العمالقة، وهو تطور لافت بالنظر إلى أن هذه المواقع كانت تمثل جزءًا مهمًا من شبكة النفوذ العسكري والأمني القائمة في المدينة.
هذا التوسع التدريجي في حضور قوات العمالقة لا يمكن فصله عن التحولات السياسية والعسكرية التي تشهدها المحافظات الجنوبية بشكل عام، والتي يبدو أنها تتجه نحو إعادة رسم موازين القوى بين مختلف التشكيلات المسلحة الموجودة على الأرض.
وتزداد أهمية هذه التعزيزات عند النظر إلى توقيتها الذي جاء بعد أيام قليلة من الانفجار الذي استهدف معسكر الصولبان التابع لقوات العمالقة في عدن وأسفر عن سقوط قتلى وجرحى. فمثل هذه الحوادث غالبًا ما تدفع القيادات العسكرية إلى إعادة تقييم انتشار قواتها وتعزيز مواقعها الحساسة ورفع مستوى الجاهزية تحسبًا لأي تطورات أمنية أو عسكرية محتملة.
كما أن أي استهداف لمعسكرات أو قواعد عسكرية في مدينة تشهد تعددًا في مراكز النفوذ المسلحة يترك آثارًا مباشرة على طبيعة التحركات اللاحقة للقوات الموجودة فيها.
وفي هذا السياق، تبرز فرضية أن تكون التعزيزات الجديدة جزءًا من ترتيبات أوسع لإعادة هندسة المشهد العسكري في عدن، خصوصًا مع تزايد الحديث خلال الأشهر الأخيرة عن وجود توجه لإعادة تنظيم خارطة المعسكرات ومناطق الانتشار العسكري داخل المدينة ومحيطها.
ومن المعروف أن السيطرة على عدن تمثل عنصرًا حاسمًا في أي معادلة سياسية أو عسكرية تخص المحافظات الجنوبية، ولذلك فإن أي تغيير في توزيع القوات داخلها يكتسب أهمية تتجاوز حدود المدينة نفسها.
ومع ذلك، فإن الحديث عن اقتراب ساعة الصفر لمواجهة شاملة تهدف إلى إخراج المجلس الانتقالي من المشهد بشكل كامل يحتاج إلى قدر كبير من الحذر. فالمجلس الانتقالي لا يزال يمتلك نفوذًا سياسيًا وعسكريًا نسبيا داخل عدن وعدد من المحافظات الجنوبية، كما أن أي محاولة لإحداث تغيير جذري وسريع في موازين القوى قد تقود إلى مواجهة مكلفة يصعب التنبؤ بنتائجها.
ولهذا فإن بعض المراقبين يرون أن التحركات الحالية قد تكون أقرب إلى ممارسة ضغوط سياسية وعسكرية تهدف إلى إعادة ضبط العلاقات بين القوى المختلفة أكثر من كونها مقدمة لمعركة حاسمة.
ومن زاوية أخرى، فإن استمرار إعادة تموضع القوات قد يعكس وجود ترتيبات إقليمية جديدة تتعلق بمستقبل الجنوب اليمني وطبيعة القوى التي ستتولى إدارة الملف الأمني والعسكري خلال المرحلة القادمة. فالقوى المحلية لا تتحرك بمعزل عن التفاهمات الإقليمية، خصوصًا في مدينة مثل عدن التي تمثل مركزًا سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا بالغ الأهمية.
كما أن التطورات الأخيرة توحي بأن المرحلة الحالية لا تقتصر على معالجة تداعيات حادث أمني بعينه، بل ترتبط بمسار أوسع يهدف إلى إعادة توزيع الأدوار بين التشكيلات العسكرية المختلفة. وهذا ما يفسر استمرار عمليات الانتشار والتسلم والتسليم في عدد من المواقع الحساسة، بالتزامن مع وصول تعزيزات جديدة إلى المدينة.
في المحصلة، يمكن القول إن التعزيزات العسكرية التي وصلت إلى عدن تعكس وجود ترتيبات جارية لإعادة تشكيل الواقع العسكري والأمني في المدينة، إلا أن طبيعة هذه الترتيبات وأهدافها النهائية لا تزال غير واضحة بصورة كاملة.
وبينما يرى البعض أن هذه التحركات قد تمهد لمواجهة مع قوات المجلس الانتقالي وإعادة رسم المشهد السياسي والعسكري في الجنوب، يرى آخرون أنها تدخل ضمن عملية إعادة تنظيم وانتشار تهدف إلى رفع الجاهزية وتعزيز السيطرة على المواقع الحيوية.
وحتى تتضح الصورة بشكل أكبر، ستبقى التحركات الحالية مؤشرًا على أن عدن تعيش مرحلة حساسة من إعادة ترتيب موازين القوى، وأن التطورات القادمة ستكون العامل الحاسم في تحديد الاتجاه الذي ستسلكه الأحداث خلال الفترة المقبلة.
وعليه يمكن القول:
تكشف التعزيزات العسكرية المتدفقة إلى عدن، بالتزامن مع اتساع نفوذ قوات العمالقة في عدد من المواقع الاستراتيجية، عن أن المدينة تقف على أعتاب مرحلة جديدة من إعادة هندسة مراكز القوة داخل الجنوب.
فهذه التحركات لا تبدو مجرد إجراءات أمنية مرتبطة بالهجوم على معسكر الصولبان أو برفع مستوى الجاهزية العسكرية، بل تأتي ضمن سياق أوسع تشهده المحافظات الجنوبية منذ أشهر، عنوانه إعادة توزيع النفوذ بين القوى المحلية المتصارعة وإعادة تشكيل الخارطة العسكرية بما يتوافق مع المتغيرات السياسية والإقليمية الجارية.
وتزداد دلالات هذه التحركات بالنظر إلى أنها تأتي في وقت يتعرض فيه المجلس الانتقالي لضغوط متصاعدة على أكثر من جبهة، سواء عبر تقليص نفوذه داخل مؤسسات السلطة أو من خلال إعادة تموضع التشكيلات العسكرية المنافسة له داخل عدن، التي تمثل مركز الثقل السياسي والعسكري للجنوب.
ولذلك فإن أي تغيير في موازين القوى داخل المدينة لا يُنظر إليه باعتباره شأناً أمنياً محلياً فحسب، بل بوصفه جزءاً من معركة أوسع تتعلق بمستقبل النفوذ في المحافظات الجنوبية وطبيعة القوى التي ستتولى إدارة المشهد خلال المرحلة المقبلة.
كما أن التطورات الأخيرة تعكس وجود إرادة إقليمية لإعادة ترتيب الأوراق في الجنوب بعد سنوات من التداخل والتنافس بين التشكيلات المسلحة المختلفة. فعدن لم تعد مجرد مدينة تحتضن مؤسسات السلطة، بل تحولت إلى ساحة اختبار لمشاريع النفوذ الإقليمي، الأمر الذي يجعل كل عملية انتشار أو تسلم لموقع عسكري تحمل أبعاداً سياسية تتجاوز الاعتبارات الميدانية المباشرة.
ومع أن المؤشرات الحالية لا تكفي للجزم باقتراب مواجهة عسكرية شاملة، إلا أنها تؤكد أن مرحلة إعادة تشكيل الواقع العسكري في عدن دخلت مستوى أكثر تقدماً وحساسية. وفي حال استمرت عمليات نقل النفوذ والسيطرة على المواقع الحيوية بالوتيرة نفسها، فإن المدينة قد تشهد خلال الفترة المقبلة تحولات جوهرية في بنية السلطة العسكرية والأمنية، وهو ما قد ينعكس بصورة مباشرة على مستقبل التوازنات السياسية في الجنوب بأكمله، ويجعل من عدن مجدداً مركز الصراع الرئيسي على النفوذ والقرار في المرحلة القادمة.
المصدر: عرب جورنال