“لحج“| تمرد في رأس العارة.. مجندو طارق صالح يرفضون تسليم أسلحتهم والسعودية تواجه ارتدادات سقوط الساحل الغربي..!
أبين اليوم – خاص
تشهد مديرية المضاربة ورأس العارة بمحافظة لحج توتراً مسلحاً غير مسبوق، على خلفية رفض المئات من مجندي فصائل طارق صالح تسليم أسلحتهم الشخصية لقوات الحزام الأمني الموالية للمجلس الانتقالي، في تطور يكشف اتساع دائرة التداعيات الناجمة عن الانهيار العسكري لفصائل الساحل الغربي، وانتقال الخلافات بين القوى المدعومة من السعودية والإمارات من ساحات القتال إلى مناطق الانتشار والاستقبال جنوب اليمن.
وأكدت مصادر مطلعة أن العشرات من مجندي طارق صالح هددوا بتفجير الوضع عسكرياً ضد فصائل الحزام الأمني، عقب ما وصفوه بالتعامل الاستفزازي والمناطقي معهم، فيما نفذ المئات اعتصاماً مفتوحاً في المنطقة، رافضين تسليم أسلحتهم الشخصية.
وأشارت المصادر إلى أن تدهور الأوضاع المعيشية والنفسية للمجندين الفارين من جبهات الساحل الغربي وصل إلى مرحلة التلويح بالمواجهة المباشرة مع القوات الجنوبية، في وقت تحولت فيه رأس العارة إلى محطة تجمع لعدد من عناصر الفصائل المنسحبة من الساحل، وسط إجراءات أمنية مشددة لمنع انتقالهم إلى عدن بأسلحتهم.
وكانت فصائل الحزام الأمني والعمالقة قد رفضت وصول مسلحي طارق صالح إلى عدن وهم يحملون أسلحتهم الشخصية، الأمر الذي دفع عدداً من العناصر إلى بيع أسلحتهم بأسعار زهيدة، بينما أقدم بعض الضباط الموالين لطارق على إحراق آليات عسكرية بدلاً من تسليمها للفصائل الموالية للسعودية في رأس العارة، احتجاجاً على ما وصفوه بـ”التصرفات غير المسؤولة”.
وتكشف هذه التطورات حجم الاحتقان الذي نشأ بين الفصائل التي يفترض أنها تنتمي إلى معسكر واحد، إذ لم يعد الخلاف مقتصراً على المسؤولية عن الهزيمة في الساحل الغربي، وإنما امتد إلى مسألة السلاح والانتشار والسيطرة على المناطق الجنوبية التي لجأت إليها القوات المنسحبة.
وفي السياق ذاته، كشف القيادي المقرب من طارق صالح، كامل الخوداني، في منشور عبر منصة “إكس” الخميس الماضي، عن تعرض عائلات المجندين المتجهين إلى عدن لعمليات نهب طالت الأموال والمجوهرات، فضلاً عن انتهاك حرماتهم وتعرضهم للإهانة من قبل القوات الجنوبية.
وقال الخوداني إن معظم النساء تعرضن لمصادرة هواتفهن وتفتيش حقائبهن الشخصية، واصفاً تلك الممارسات بأنها إهانة تتنافى مع قيم وأخلاق المجتمع اليمني.
وتأتي هذه التطورات في ظل حملة سياسية وإعلامية متصاعدة تستهدف طارق صالح، يقودها حزب الإصلاح وقيادات جنوبية موالية للرياض، على خلفية الهزيمة العسكرية التي تعرضت لها التحشيدات السعودية في الساحل الغربي أمام قوات صنعاء.
وخلال الساعات الماضية، شهدت الساحة اليمنية سجالاً محموماً بين القوى الموالية للإمارات من جهة، وحزب الإصلاح والقوى الموالية للسعودية من جهة أخرى، بشأن المسؤولية عن الانتكاسة العسكرية التي تعرضت لها التحشيدات السعودية في الساحل الغربي، بعد تمكن قوات صنعاء من بسط سيطرتها على مساحات واسعة من المنطقة.
ويستند حزب الإصلاح والقوى الموالية للرياض في اتهاماتها إلى ما تعتبره “تاريخاً من الخيانات” لدى طارق صالح، مستدلين على ذلك بكونه كان قيادياً في صفوف من يصفونهم بـ”الحوثيين”، قبل أن ينتقل إلى المعسكر الإماراتي عقب فراره من صنعاء.
كما يستحضر خصوم طارق واقعة انسحابه من أطراف مدينة الحديدة باتجاه المخا في محافظة تعز، في أكتوبر 2021، دون تنسيق مع بقية أطراف التحالف، وفق روايتهم، إلى جانب اتهامه بتأييد تحرك الفصائل التابعة للإمارات باتجاه محافظات شرق اليمن في يناير الماضي.
ويضاف إلى ذلك توقيع طارق صالح، إلى جانب أعضاء في مجلس القيادة الرئاسي، بينهم عيدروس الزبيدي وأبو زرعة المحرمي وفرج البحسني، على بيان رفض قرار إنهاء الدور الإماراتي في اليمن، والذي صدر عن رئيس مجلس القيادة رشاد العليمي بإيعاز من الرياض، وفق ما يورده خصومه.
وفي تصعيد آخر، اتهم قائد فصائل درع الوطن السابق، بشير الصبيحي، في تسجيل صوتي منسوب إليه تداولته منصات إعلامية موالية للسعودية، قيادات طارق صالح بالخيانة والغدر خلال معركة الساحل الغربي.
كما دعت القيادية في حزب الإصلاح، توكل كرمان، إلى عزل طارق صالح وإحالته إلى المحاكمة بتهمة الخيانة العظمى.
وطالب ناشطون في حزب الإصلاح رئيس مجلس القيادة رشاد العليمي بفصل طارق صالح من عضوية المجلس وإخضاعه للمحاكمة، معتبرين أن ما جرى في الساحل الغربي لا يختلف، من وجهة نظرهم، عما وصفوه بخيانة عيدروس الزبيدي، باعتبارهما من أبرز الشخصيات التي صنعتها الإمارات داخل منظومة القوى المناهضة لصنعاء.
ويربط هؤلاء بين التحركات الأخيرة وبين ما يعتبرونه محاولة إماراتية للانتقام من السعودية بعد إخراج أبوظبي من التحالف واستهداف قواتها في حضرموت نهاية العام الماضي، معتبرين أن انهيار جبهة الساحل الغربي قد يكون جزءاً من صراع أوسع على النفوذ داخل المعسكر المناهض لصنعاء.
ومع تصاعد الاتهامات، تبدو معركة “الخيانة” مرشحة للتوسع خلال الأيام المقبلة، خصوصاً مع محاولة كل طرف تحميل الطرف الآخر مسؤولية الانهيار العسكري. ولا تقتصر المطالب على إبعاد طارق صالح عن مجلس القيادة، بل وصلت إلى الدعوة لمحاكمته بتهمة الخيانة العظمى، وسط مخاوف لدى خصومه من أن يؤدي الاكتفاء بعزله إلى تكرار ما يصفونه بـ”الخيانة” داخل قوى عسكرية وسياسية تحتفظ بولاءات متعارضة بين السعودية والإمارات.
وكانت قوات صنعاء قد تمكنت، الخميس الماضي، من السيطرة على مضيق باب المندب، إلى جانب ست مديريات في الحديدة وتعز بمساحة تقدر بنحو 5400 كيلومتر مربع، كانت تحت سيطرة طارق صالح وفصائله، في واحدة من أبرز التحولات الميدانية التي شهدها الساحل الغربي منذ سنوات.
وأثارت هذه التطورات تساؤلات واسعة في أوساط الناشطين والمراقبين حول مصير القوة العسكرية التي جرى تقديمها خلال السنوات الماضية باعتبارها إحدى أهم التشكيلات المدعومة من التحالف، ولا سيما الحديث عن سبع فرق عسكرية موالية للسعودية بقوام يصل إلى 38 لواء، ومجهزة بأسلحة ومعدات حديثة، قبل أن تتهاوى خطوط انتشارها خلال فترة زمنية قصيرة أمام تقدم قوات صنعاء.
تحليل:
لا يمكن قراءة أحداث رأس العارة باعتبارها مجرد خلاف بين مجندين وقوة أمنية جنوبية بشأن تسليم السلاح. فالتطور يمثل، في جوهره، أحد الارتدادات المباشرة لانهيار منظومة التحالفات التي بُنيت حول الساحل الغربي.
فعندما كانت هذه الفصائل تتقدم أو تحافظ على مواقعها، كان الخلاف السعودي الإماراتي يجري احتواؤه تحت عنوان مواجهة صنعاء. أما بعد انهيار خطوط الانتشار، فقد أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً داخل المعسكر نفسه: من يتحمل مسؤولية الهزيمة؟ ومن يملك حق الاحتفاظ بالسلاح؟ ومن يضمن سلامة القوات المنسحبة؟
وهنا تظهر رأس العارة باعتبارها أكثر من مجرد منطقة تجمع للقوات الفارة؛ فهي تتحول إلى اختبار حقيقي للعلاقة بين الفصائل المدعومة من الرياض وتلك المرتبطة بأبوظبي. فرفض الحزام الأمني والعمالقة استقبال مقاتلي طارق بأسلحتهم يعني عملياً أن الجنوب لا يريد استقبال قوة عسكرية مستقلة يمكن أن تحتفظ بتماسكها وتسليحها، في حين أن إجبار هذه القوات على تسليم أسلحتها أو بيعها أو التخلي عن آلياتها يضعفها ويمنعها من إعادة تشكيل نفسها كقوة مؤثرة في أي معركة لاحقة.
الأخطر أن حالة الاحتقان بدأت تتحول من خلاف سياسي إلى احتكاك عسكري مباشر بين قوى يفترض أنها في المعسكر نفسه. تهديد مجندي طارق بالمواجهة في رأس العارة يكشف أن الانهيار في الساحل الغربي لم ينهِ المعركة، بل نقلها إلى الداخل؛ من جبهات القتال مع صنعاء إلى صراع النفوذ بين القوات المنسحبة والقوى التي تسيطر على مناطق عبورها. وهذا يفتح الباب أمام احتمال تفكك وحدات طارق إلى مجموعات مسلحة مشتتة، أو تحولها إلى عامل توتر جديد في لحج وعدن والمناطق الساحلية.
أما سياسياً، فإن حملة “الخيانة العظمى” ضد طارق صالح تحمل دلالة أوسع من شخص طارق نفسه. إنها تعكس محاولة كل جناح في المعسكر المناهض لصنعاء إعادة كتابة مسؤولية الهزيمة بما يخدم صراعه الداخلي. الإصلاح والقوى المحسوبة على الرياض تريدان تحويل طارق إلى كبش فداء للانهيار، فيما تحاول القوى الإماراتية إبعاد المسؤولية عنها وربط ما حدث بتغيرات أكبر في موازين القوى. وفي المقابل، فإن دخول شخصيات سياسية وإعلامية وقيادات عسكرية على خط الاتهامات يجعل من الصعب احتواء الملف بمجرد تسوية سياسية داخل مجلس القيادة.
وتكشف المفارقة الأبرز أن الفصائل التي حشدت طوال سنوات تحت عنوان “معركة استعادة الدولة” باتت اليوم تتصارع على كيفية استقبال قواتها المنسحبة، ومن يحتفظ بالسلاح، ومن يتحمل مسؤولية الهزيمة، ومن يملك حق السيطرة على المناطق الجنوبية. وبذلك تتحول هزيمة الساحل الغربي من خسارة جغرافية وعسكرية إلى أزمة ثقة استراتيجية داخل المعسكر المدعوم من الخارج.
كما أن سقوط مساحات واسعة وصولاً إلى باب المندب يضع السعودية أمام مأزق مختلف؛ فالمشكلة لم تعد في خسارة موقع عسكري فحسب، وإنما في أن القوى التي أنفقت الرياض وأبوظبي سنوات على بنائها لم تعد قادرة على ضمان تماسك خطوطها عند أول اختبار ميداني كبير. وإذا استمر تفككها، فإن السعودية ستضطر إلى التعامل مع جنوب اليمن بوصفه ساحة لإعادة هندسة الفصائل نفسها، لا مجرد قاعدة خلفية لمعركة الساحل.
ومن هنا يمكن فهم أهمية ما يجري في رأس العارة: إنه أول اختبار لمرحلة ما بعد سقوط الساحل الغربي.
فإذا تمكنت الرياض من احتواء قوات طارق وإعادة توزيعها وإخضاعها لقيادة جديدة، فقد تستطيع تقليل آثار الانهيار. أما إذا استمر الصدام بينها وبين الحزام والعمالقة والقوى الجنوبية، فإن الهزيمة العسكرية ستتحول إلى أزمة أمنية وسياسية ممتدة من الساحل الغربي إلى لحج وعدن، وستصبح معركة النفوذ داخل المعسكر المناهض لصنعاء جزءاً من المعركة نفسها.
وفي هذه الحالة، فإن السؤال لم يعد فقط: لماذا انهارت جبهة الساحل الغربي؟ بل أصبح أكثر خطورة: ماذا سيحدث للمعسكر الذي انهارت جبهته عندما يبدأ مقاتلوه أنفسهم في الاقتتال على ما تبقى من السلاح والنفوذ والمناطق؟