سقوط الساحل يقلب الطاولة.. ترامب يتخلى عن بن سلمان وموسكو تقترب من صنعاء والإمارات تطرق باب طهران..!

5٬992

أبين اليوم – خاص 

أعادت استعادة قوات صنعاء السيطرة على مناطق واسعة من الساحل الغربي لليمن، السبت، رسم ملامح المعادلة الإقليمية والدولية المرتبطة بالحرب على اليمن، في تحول لافت منذ بدء الحرب السعودية في مارس 2015.

وبدأت مؤشرات التحول السياسي والدبلوماسي بالظهور سريعاً، مع توالي الرسائل الدولية باتجاه صنعاء. وكانت روسيا من أبرز المبادرين إلى فتح قناة اتصال مباشرة، بعدما أجرى السفير الروسي لدى اليمن اتصالاً مرئياً مع نائب وزير الخارجية في صنعاء، في خطوة هي الأولى من نوعها، وأثارت اهتمام المراقبين باعتبارها مؤشراً على تغير في مستوى التعاطي الروسي مع صنعاء.

وفي واشنطن، جاءت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتضيف بعداً آخر للتحول. فقد أبدى ترامب عدم رغبة بلاده في الانخراط مجدداً في الحرب اليمنية، بالتزامن مع التطورات العسكرية في باب المندب واستهداف شريان نفطي سعودي حيوي، كما تضمنت تصريحاته إشارات إلى ضرورة الإبقاء على الهدنة المبرمة في مارس من العام الماضي.

وتكتسب هذه التصريحات أهميتها في ضوء ما كشفته وسائل إعلام أمريكية عن محاولتين أجراهما ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لإقناع ترامب بقيادة حملة عسكرية جديدة في اليمن، إلا أن الرئيس الأمريكي رفض ذلك، وفق ما أوردته تلك التقارير.

ورغم حالة القلق التي عبّرت عنها الأوساط الأمريكية إزاء التطورات الميدانية، فإن موقف ترامب يمكن قراءته باعتباره أقرب إلى التعامل مع واقع جديد فرضته التحولات العسكرية، مع إعادة وضع المسؤولية على عاتق السعودية. فالإشارة الأبرز في الموقف الأمريكي هي أن المعركة اليمنية ليست حرباً أمريكية، وأن واشنطن لا تبدو مستعدة لتحمل كلفتها نيابة عن الرياض، خصوصاً في ظل تغير موازين القوة على الأرض.

ولم تتوقف ارتدادات التطورات عند واشنطن وموسكو، بل وصلت إلى أبوظبي وطهران. فقد أجرى ولي عهد أبوظبي، نجل الرئيس الإماراتي محمد بن زايد، لقاءً مع الرئيس الإيراني، في خطوة يمكن وضعها ضمن مسار إماراتي متسارع لإعادة ترتيب العلاقة مع طهران، وإيصال رسائل غير مباشرة إلى السعودية بشأن تداعيات الانهيار العسكري في الساحل الغربي، خصوصاً مع تصاعد التكهنات حول موقف الإمارات من مستقبل الفصائل المرتبطة بها في اليمن.

وبعيداً عن الرسائل السياسية والإقليمية، فإن المكاسب التي حققتها قوات صنعاء في الساحل الغربي لا تبدو محصورة في بعدها العسكري. فإلى جانب السيطرة على مساحة تقارب 6 آلاف كيلومتر مربع والاستيلاء على كميات كبيرة من الأسلحة والمعدات، أنتج التحول الميداني واقعاً جديداً يفرض نفسه على حسابات العواصم الإقليمية والدولية، ويفتح الباب أمام إعادة تقييم العلاقة مع صنعاء باعتبارها طرفاً مركزياً في معادلة اليمن والمنطقة.

تحليل:

لم تعد معركة الساحل الغربي مجرد تصحيح جغرافي على خرائط اليمن، بل تحوّلت إلى إعلان وفاة مقولة “عزل صنعاء” وتجاوزها. فمن يسيطر على هذا الشريط لا يمسك أرضاً فقط، بل يمسك باب المندب، وأمن الملاحة، وشريان الطاقة، وورقة التفاوض الإقليمية. المكاسب الميدانية، بما فيها آلاف الكيلومترات والأسلحة والمعدات، ليست غنائم حرب عابرة، بل رصيد يُترجم فوراً إلى نفوذ سياسي ودبلوماسي.

وكل من راهن على أن الرياض أو أبوظبي قادرتان على إعادة فرض المعادلة القديمة، أصبح أمام أمر واقع يفرض نفسه بقوة: من يتراجع عسكرياً يخسر سياسياً، ومن يخسر الساحل يخسر معه قدرة التحكم في مستقبل اليمن والمنطقة.

ردود الفعل الدولية لم تكن مصادفات، بل اعترافاً متأخراً بثقل صنعاء. روسيا تفتح قناة مباشرة، وواشنطن ترفض الانخراط في حرب جديدة، ومحمد بن سلمان يطلب من ترامب قيادة حملة فيُرفض، وأبوظبي تهرول إلى طهران. هذه الحركة المتسارعة تكشف حقيقة واحدة: السعودية تكتشف أنها باتت تدفع فاتورة خياراتها العسكرية وحدها، والإمارات تسارع لحماية ما تبقى من استثمارها عبر التقارب مع القوة التي أمسكت بأوراق أكثر تأثيراً. أما واشنطن، فبرفضها تكرار الانخراط، تضع الكلفة على الرياض، وتقر ضمناً أن الحرب اليمنية ليست حرباً أمريكية، ولا غطاءً مفتوحاً لاستعادة ما سقط في الميدان.

إن أي استراتيجية قادمة تقوم على تجاهل صنعاء أو تجاوزها محكومة بالفشل. فالسؤال لم يعد: كيف نعيد عقارب الساعة إلى ما قبل سقوط الساحل؟

بل: كيف تتعامل العواصم الكبرى مع مركز قوة يمسك البحر والبر والورقة الدبلوماسية في وقت واحد؟ وإذا واصلت صنعاء تثبيت مكاسبها وتحويلها إلى أوراق تفاوض، فإن القنوات المباشرة ستُفتح رغم أنف من يرفض، ومن يتأخر في الاعتراف بالواقع الجديد سيدفع ثمناً أكبر. المرحلة المقبلة ليست مرحلة هدنة أو ترتيب شكلي، بل مرحلة إقرار قاسٍ بأن اليمن لم يعد ملفاً هامشياً يُدار من الخارج، بل فاعلاً إقليمياً يُفرض على الحسابات الدولية. ومن لا يفهم هذه الحقيقة اليوم، سيفهمها غداً بقسوة الميدان لا بلغة البيانات.

 

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com