“تقرير“| بدلاً من كلفة السلام مع اليمن.. السعودية تختار كلفة “التحالفات”..!

7٬995

أبين اليوم – تقارير 

في الوقت الذي لم تحرك فيه السعودية ساكناً إزاء حرب الإبادة الجماعية التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي بحق الشعب الفلسطيني، ولم تبادر إلى تشكيل تحالفات لحماية الفلسطينيين أو مواجهة جرائم الاحتلال، تتجه الرياض اليوم إلى بناء تحالفات جديدة، من بينها «تحالف مكة» مع تركيا وباكستان، الذي عقدت لجنته السياسية والدفاعية الاستراتيجية اجتماعها الأول، الاثنين، في مدينة إسطنبول.

ورغم تأكيد السعودية وتركيا وباكستان أن الاتفاقية لا تستهدف طرفاً بعينه، فإن توقيت التحالف يفتح الباب أمام قراءة دوافعه في سياق التطورات الإقليمية، ولا سيما التصعيد المتواصل بين السعودية وصنعاء على خلفية الحرب والحصار المفروضين على اليمن.

ويأتي التحرك السعودي في وقت تواجه فيه الرياض معادلة يمنية أكثر تعقيداً، مع تصاعد الضغوط عليها على خلفية استمرار الحصار، وتزايد المخاطر التي قد تترتب على استمرار المواجهة.

وفي ظل ذلك، تبدو السعودية وكأنها تبحث عن مظلة إقليمية جديدة يمكنها الاستناد إليها في مواجهة تداعيات التصعيد اليمني، خصوصاً بعد عدم حصولها على مشاركة أمريكية مباشرة في مواجهة صنعاء.

من حرب اليمن إلى «تحالف مكة»:

منذ بدء الحرب على اليمن، اعتمدت السعودية بصورة أساسية على بناء تحالفات متعددة الجنسيات لتوسيع قاعدة مشاركتها العسكرية والسياسية، غير أن مسار السنوات الماضية أظهر محدودية قدرة هذه التحالفات على حسم الحرب أو إنهاء التهديدات التي تواجهها الرياض.

واليوم، وبعد سنوات من الحرب، تعود السعودية إلى الأدوات نفسها ولكن في ظروف مختلفة. فبدلاً من خوض المواجهة منفردة، تسعى إلى استقطاب قوى إقليمية تمتلك قدرات عسكرية وسياسية يمكن أن تشكل إضافة إلى منظومتها الدفاعية.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى «تحالف مكة» باعتباره محاولة لتوسيع شبكة الشركاء الذين يمكن للرياض الاعتماد عليهم في مرحلة تتزايد فيها الضغوط الأمنية والعسكرية عليها، وليس مجرد ترتيب سياسي أو دفاعي منفصل عن التطورات اليمنية.

فالرياض، وفق هذه القراءة، تدرك أن استمرار المواجهة مع صنعاء يفرض عليها أعباء متزايدة، وأن الاعتماد على القدرات السعودية وحدها قد لا يكون كافياً لاحتواء تداعيات التصعيد، الأمر الذي يدفعها إلى البحث عن شركاء جدد واستدعاء قوى إقليمية إلى المشهد.

بدلاً من كلفة السلام.. كلفة التحالفات:

المفارقة أن الطريق الأقصر أمام السعودية للخروج من مأزقها اليمني لا يحتاج إلى تحالفات جديدة ولا إلى ترتيبات دفاعية معقدة، وإنما إلى قرار سياسي بوقف التصعيد ورفع الحصار المفروض على اليمن، وفتح الطريق أمام تسوية تنهي حالة المواجهة.

لكن الرياض، بدلاً من معالجة أصل الأزمة، تبدو متجهة نحو معالجة نتائجها عبر المزيد من التحالفات والاستقطاب الإقليمي.

وهنا تبرز المفارقة الأساسية: بدلاً من دفع كلفة السلام مع اليمن، تدفع السعودية كلفة بناء تحالفات جديدة واستقطاب الدول وشراء المواقف السياسية والعسكرية، في محاولة لتعزيز موقعها في مواجهة صنعاء.

وقد جاء موقف وزارة الخارجية في صنعاء واضحاً في بياناتها الأخيرة، إذ اتهمت السعودية بالسعي إلى توريط أطراف دولية في المواجهة، محذرة الدول والقوى التي قد تنخرط في هذا المسار من الوقوع في ما وصفته بـ«المستنقع».

وأكدت الوزارة أن السلام سيكون أقل كلفة من تبديد الأموال السعودية في إنشاء التحالفات واستقطاب الدول، داعية الرياض إلى توجيه مواردها نحو قضايا المنطقة بدلاً من مواصلة التصعيد.

تحالف جديد.. ومأزق قديم:

لا تكمن المشكلة بالنسبة للسعودية في غياب التحالفات بقدر ما تكمن في نتائج التحالفات السابقة. فقد دخلت الرياض الحرب على اليمن ضمن تحالف عسكري واسع، لكنها بعد سنوات من المواجهة لم تتمكن من تحقيق الأهداف التي أعلنتها عند بدء الحرب، فيما تحولت الحدود السعودية نفسها إلى واحدة من أبرز ساحات الضغط عليها.

ولهذا، فإن إنشاء تحالف جديد لا يعني بالضرورة أن الرياض تجاوزت مأزقها، بل قد يكون مؤشراً على استمرار المأزق نفسه. فكلما اتسعت دائرة التحالفات، ارتفعت في المقابل كلفة استقطاب الشركاء والتنسيق معهم، فضلاً عن أن دخول أطراف جديدة إلى الصراع قد يفتح مسارات إضافية للتصعيد بدلاً من إغلاقها.

كما أن محاولة نقل المواجهة من إطارها السعودي ـ اليمني إلى إطار إقليمي أوسع قد تجعل الأزمة أكثر تعقيداً، خصوصاً إذا تحولت الدول المشاركة في التحالف إلى أطراف مباشرة في أي مواجهة مقبلة.

رسالة صنعاء: السلام أقل كلفة:

في المقابل، تبدو الرسالة التي تصدر من صنعاء مباشرة: ما تحتاجه السعودية ليس تحالفاً جديداً، وإنما قراراً بإنهاء الحصار ووقف التصعيد والذهاب نحو السلام.

وتستند هذه الرسالة إلى حقيقة أن معالجة أسباب الصراع تظل أقل كلفة من محاولة إدارة تداعياته عبر تحالفات عسكرية وأمنية متتالية.

فرفع الحصار ووقف التصعيد يمكن أن يفتحا الباب أمام تسوية سياسية، بينما توسيع دائرة التحالفات قد يدفع الأزمة اليمنية إلى مستويات إقليمية أكثر خطورة.

ومن هنا، فإن السؤال الأهم لا يتعلق بما إذا كان «تحالف مكة» يستهدف اليمن بصورة مباشرة، وإنما بما إذا كانت السعودية ترى في التحالفات بديلاً عن التسوية السياسية.

وعليه يمكن القول:

ما تفعله السعودية ليس بحثاً عن الأمن، بل إمعاناً في الهروب من الاستحقاق الوحيد القادر على منحها إياه. فالرياض التي أنفقت مئات المليارات على حربٍ لم تكسبها، ودفعت ثمناً باهظاً في عمقها الاقتصادي وأمنها الحدودي، ما زالت تصر على إعادة إنتاج الخطأ نفسه تحت مسميات جديدة.

«تحالف مكة» ليس سوى اعتراف صريح بأن خيار الحرب لم يعد ممكناً منفرداً، لكنه في الوقت ذاته رفضٌ عنيد للإقرار بأن السلام وحده هو الخروج الحقيقي من النفق. إنها تفضّل أن تدفع كلفة التحالفات لا لأنها أقل، بل لأنها تؤجل لحظة المواجهة مع حقيقةٍ باتت جاثمة فوق صدر القرار السعودي: لا يمكن هزيمة شعبٍ يحاصرونه منذ سنوات ولا يزال قادراً على فرض معادلته.

والمفارقة التي تتحول إلى فضيحة استراتيجية أن الرياض، وهي تبني تحالفاتها الجديدة، تستدعي تركيا وباكستان، دولتين لم تقدّما في أيٍّ من أزمات المنطقة نموذجاً يُحتذى في الحسم العسكري أو النجاح الجيوسياسي، بينما تترك الباب موصداً أمام الحل اليمني الذي يطرق جدرانها من صنعاء كل يوم.

إنها تبحث عن ظهرٍ تستند إليه لا عن مخرجٍ تسلكه، وتُغرق نفسها في متاهة التحالفات كمن يهرب من العاصفة إلى عينها. وكلما اتسعت دائرة الشركاء، ضاقت مساحة المناورة، وتحولت الرياض من طرفٍ يملك قرار الحرب والسلم إلى رهينةٍ لتحالفٍ لا يملك ترف الانسحاب ولا قدرة الحسم.

أما صنعاء، التي تواجه الحصار منذ سنوات، فلم تعد بحاجة إلى إثبات أن ما تطلبه ليس مستحيلاً: رفع الحصار، ووقف العدوان، والجلوس إلى طاولة تقاسم الخسائر قبل تقاسم المكاسب.

في النهاية، ستدفع السعودية الفاتورة كاملةً، سواء واصلت رهانها على التحالفات أم عادت متأخرةً إلى خيار السلام. لكن الفارق بين المسارين لن يكون في حجم الكلفة فحسب، بل في نوعية النتيجة: فالمزيد من التحالفات لن يصنع سوى المزيد من الأطراف المتورطة في مستنقعٍ يبتلع الجميع، بينما السلام وحده سيمنح الرياض ما عجزت عنه أساطيلها وقواعدها وتحالفاتها: حدوداً آمنة، ونفوذاً غير مهدد، ودوراً إقليمياً لا يقوم على الوصاية ولا على شراء الولاءات.

وما لم تدرك الرياض أن صنعاء لا تطلب استسلاماً بل عدلاً، فإن كل تحالفٍ قادم سيكون مجرد محطة جديدة في رحلة إنهاكٍ طويل، تدفع السعودية في بدايتها كلفة التحالف، وفي نهايتها كلفة الفشل، بينما يبقى السلام هو الطريق الذي لا يُدفع فيه الثمن مرتين.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com