من “شماعة المجتمع الدولي“ إلى “خيانة الساحل“.. بن لغبر يفتح ملف ستوكهولم.. وناشطون يحمّلون طارق مسؤولية ترك الجرحى والأسرى..!
أبين اليوم – خاص
أعاد الأكاديمي والصحفي الجنوبي صلاح بن لغبر فتح ملف توقف العمليات العسكرية في الساحل الغربي عام 2018، نافياً الرواية التي ظلت تحمل المجتمع الدولي مسؤولية وقف ما كان يُسمى حينها «تحرير الساحل الغربي»، ومشيراً إلى أن القرار الحقيقي كان بيد الطرف الذي يمسك بالملف اليمني ويمتلك نفوذاً واسعاً على حكومة «الشرعية» وقرارها السياسي والعسكري.
وقال بن لغبر، في تغريدة له، إن من أوقف المعركة «لم يكن العالم»، وإنما الطرف الذي «يمسك بالملف اليمني ويملك الهيمنة المطلقة على السلطة الشرعية وقرارها».
مشيراً إلى أن هذا الطرف دفع حكومة هادي إلى توقيع اتفاق ستوكهولم وإيقاف التقدم العسكري، رغم اعتراضات داخل معسكر «الشرعية» آنذاك.
وأضاف أن رواية «المجتمع الدولي أوقفنا» تحولت منذ ذلك الحين إلى «أسطورة» جرى استخدامها لإخفاء الحقيقة، معتبراً أن إبقاء الصراع مفتوحاً يخدم منظومة الوصاية؛ لأن استمرار الحرب، وفق طرحه، يخلق حاجة دائمة إلى الوسيط والوصي، فيما تتحول هذه الحاجة إلى أداة لإدامة النفوذ والهيمنة على القرار اليمني.
وتحمل هذه القراءة، عملياً، السعودية مسؤولية مباشرة عن الضغط باتجاه وقف العمليات العسكرية للقوات التابعة للتحالف في الساحل الغربي، والدفع نحو اتفاق ستوكهولم الذي جمّد اندفاعة ما عُرفت بـ«عملية الرمح الذهبي» باتجاه مدينة الحديدة. وهي رواية تكتسب أهمية خاصة في ظل التصعيد غير المسبوق في تبادل الاتهامات بين أطراف التحالف، بالتزامن مع الانهيارات الأخيرة في جبهات الساحل الغربي وسقوط مناطق واسعة بيد قوات صنعاء.
– من اتهام السعودية بوقف المعركة إلى اتهام طارق بالتخلي عن مقاتليه:
لكن ملف الساحل لم يتوقف عند سؤال الجهة التي أوقفت التقدم نحو الحديدة؛ إذ انتقل الجدل، مع الانهيارات العسكرية الأخيرة، إلى سؤال أكثر حساسية يتعلق بمسؤولية القيادات عن مصير القوات التي كانت تنتشر في المواقع المنهارة.
ويتهم حزب الإصلاح قوات طارق صالح والعمالقة الجنوبية بالتسليم والتخاذل والانسحاب غير المبرر من مواقع قال إنها «حُررت بالدم»، فيما تتحدث أوساط جنوبية عن «خيانة وغدر» بالمقاتلين الجنوبيين الذين سقط منهم المئات خلال معارك الساحل الغربي.
وتصاعدت الانتقادات من ناشطين جنوبيين بشأن ما وصفوه بالتخلي عن جرحى ومقاتلين خلال عمليات الانسحاب من حيس والخوخة والمخا، معتبرين أن خسارة المواقع والأسلحة تبقى احتمالاً قائماً في أي حرب، لكن ترك الجرحى دون إخلاء، أو الوحدات المنتشرة في مواقع معزولة دون تأمين خطوط انسحاب، يمثل مستوى مختلفاً من المسؤولية العسكرية والأخلاقية.
وبحسب ما يتداوله هؤلاء الناشطون، فإن مصابين من القوات الموالية للسعودية في حيس والخوخة والمخا لم يتم إجلاؤهم بالتزامن مع الانسحاب، كما لم تُرسل قوارب لإخلاء قوات تابعة لطارق صالح كانت متمركزة في جزيرتي حنيش وجبل زقر، ما أدى ـ وفق هذه الروايات ـ إلى وقوع كتيبتين في الأسر لدى قوات صنعاء.
وتفتح هذه الوقائع، في حال ثبوتها، ملفاً يتجاوز مجرد تقييم قرار الانسحاب العسكري، ليصل إلى طبيعة إدارة القوات وحسابات القيادة أثناء الانهيار. فالقوة العسكرية لا تُقاس فقط بقدرتها على الاحتفاظ بالأرض، وإنما كذلك بقدرتها على تنظيم الانسحاب، وإجلاء الجرحى، وسحب الوحدات المعزولة، ومنع تحول التراجع إلى انهيار شامل يترك المقاتلين أمام خيار الأسر أو الفرار الفردي.
ولم تخلُ الانتقادات من أبعاد سياسية وشخصية، إذ استعاد ناشطون واقعة فرار طارق صالح خلال أحداث ديسمبر 2017، في إشارة إلى علاقته بالرئيس السابق علي عبدالله صالح، وعلقوا بسخرية لاذعة: «إن من ترك عمه علي عبدالله صالح وفر لينجو بنفسه، هل سيعبأ بأحد آخر؟
تحليل:
لم يكن ما جرى في الساحل الغربي عام 2018 معركة أُجهضت بسبب «المجتمع الدولي»، بل كانت لحظة اختبار مكشوفة لبنية الوصاية: طرفٌ يمسك بالملف اليمني، ويصنع قرار «الشرعية» السياسي والعسكري، قرر أن يوقف «الرمح الذهبي» ويغلف القرار بستوكهولم.
وهكذا تحوّل المجتمع الدولي إلى شماعة مريحة، وتحوّل الاتفاق إلى غرفة انتظار للصراع، لا إلى سلام. فمن يريد حرباً مفتوحة بلا حسم، وسلماً مشلولاً بلا سيادة، يجد في هذا التركيب بيته الطبيعي: وسيط دائم، ووصي دائم، وقرار يمني مسلوب.
أما الانهيار الأخير في حيس والخوخة والمخا، وما قيل عن ترك الجرحى وكتيبتين أسيرتين في حنيش وجبل زقر، فيكشف أن الكارثة لم تكن فقط في وقف المعركة، بل فيمن أدارها. القيادة التي تطالب المقاتلين بالثبات حتى الموت، ثم تنسحب وتترك جرحاها وأسراها، لا تُقاس بعدد البيانات، بل بعدد من عادوا ومن تُركوا.
وترك الجرحى ليس خطأً تكتيكياً، بل عارٌ عسكري وجريمة أخلاقية. ومن هرب بنفسه من معركة سابقة تاركاً عمه لمصلحة نجاته، ليس غريباً أن يترك اليوم مقاتليه لمصلحة بقائه.
الخلاصة أقسى من كل الروايات: الساحل لم يُخسر في لحظة انسحاب واحدة، بل خُسر عندما صار الدم اليمني عملة نفوذ، وعندما تحوّلت القيادة إلى مقاول حرب يبيع الشعارات ويترك الجرحى.
إن لم يُحاسب من أوقف المعركة، ومن أدار الانسحاب، ومن ترك الجرحى والأسرى، فستظل ستوكهولم لعنةً لا اتفاقاً، والساحل شاهداً على خيانةٍ لا نسيان، والضحايا وحدهم من يدفعون فاتورة وصايةٍ لا تنتهي.