سقوط المخا يهز الساحل الغربي.. طارق يقر بالهزيمة والسعودية تلوّح باتفاق عبر عُمان وكيان الاحتلال يكشف مخاوفه..!
أبين اليوم – خاص
حسمت السعودية، الخميس، مصير مدينة المخا، آخر معاقل الفصائل الموالية لها والمدعومة إماراتياً على الساحل الغربي لليمن، بالتزامن مع بدء قوات صنعاء التوغل في المدينة من عدة جهات، عقب انهيار مواقع الفصائل المنسحبة من مناطق الساحل.
وتداولت منصات ونخب سعودية معلومات عن وجود اتفاق مع إيران، عبر وساطة سلطنة عُمان، يتضمن تسليم مدينة المخا، من دون أن توضح تلك المنصات أطراف الاتفاق بصورة دقيقة أو الجهة التي أبرمته.

إلا أن توقيت تداول هذه المعلومات، بالتزامن مع الانهيار الميداني المتسارع، عُدّ مؤشراً على إقرار مبكر بصعوبة الاحتفاظ بالمدينة، ومحاولة تفسير ما يجري باعتباره نتيجة تفاهمات سياسية لا مجرد خسارة عسكرية.
وكانت المخا قد شهدت خلال ساعات الليل مواجهات محدودة، مع تقدم قوات صنعاء في أطرافها الجنوبية والغربية، فيما كانت القوات المدعومة سعودياً وإماراتياً قد بدأت بالتراجع من مواقعها تباعاً.
وتأتي هذه التطورات رغم أن السعودية كانت قد عملت خلال الفترة الماضية على إعادة ترتيب قواتها في الساحل الغربي، وتهيئة المخا لتكون مركزاً لهجوم جديد باتجاه الحديدة.
وفي تطور لافت، أقر طارق صالح، قائد الفصائل المدعومة إماراتياً في الساحل الغربي، عملياً بخسارة المعركة. ونقل عبد الولي المذابي، مدير قناة “اليمن اليوم” التي تبث من القاهرة، عن مصادر تبريرها للانهيار بالقول إن قوات صنعاء تمكنت من اختراق شبكة الاتصالات العسكرية التابعة لقوات طارق، وهو ما أدى، وفق الرواية المتداولة، إلى توجيه أوامر بالانسحاب وحدوث حالة من الفوضى في صفوف القوات.
ورغم محاولة تقديم اختراق الاتصالات باعتباره سبباً مباشراً للانهيار، فإن مضمون الرواية نفسها عكس حجم الأزمة داخل قوات طارق، خصوصاً أن الانسحاب لم يكن حادثة معزولة، بل جاء بعد انهيار مواقع واسعة على امتداد الساحل الغربي، وسط اتهامات لقيادة تلك القوات بالانسحاب وترك مواقعها الاستراتيجية.
وفي السياق ذاته، كشف قيادي بارز في ألوية العمالقة الجنوبية، وسام القيدعي، كواليس جديدة لما يجري في المخا، مؤكداً في مقطع فيديو نشره عقب إرساله ضمن تعزيزات إلى المنطقة أن المدينة أصبحت خالية من مقاتلي طارق صالح، وأنه شاهد مجموعات منهم أثناء فرارها باتجاه عدن.
وأشار القيدعي إلى أن قوات صنعاء فتحت ممراً على الخط الساحلي لإتاحة المجال أمام القيادات والمجاميع المنسحبة لمغادرة المنطقة، متهماً طارق صالح بالخيانة والتسليم. وتزامن ذلك مع استمرار المواجهات في مناطق واسعة من أطراف المخا، بالتوازي مع تقدم قوات صنعاء باتجاه مركز المدينة.
ولم تتوقف تداعيات الانهيار عند الفصائل المحلية، إذ أفادت مصادر عسكرية بوصول القوات السعودية المنسحبة من الساحل الغربي إلى مدينة عدن جنوبي اليمن، بعد مغادرة قائد القوات السعودية في الساحل الغربي، مساء الأربعاء، برفقة كامل القوات السعودية وقيادات من الفصائل الموالية للمملكة، باتجاه معسكر قوات التحالف في عدن.
وبحسب المصادر ذاتها، أقدمت القوات السعودية قبل مغادرتها على إتلاف معدات وأجهزة وإحراق وثائق داخل غرفة العمليات المشتركة في منطقة جبل النار، في مؤشر، إن صحت هذه المعلومات، على أن الانسحاب لم يكن مجرد إعادة انتشار ميداني، وإنما عملية إخلاء لمركز قيادة متقدم كان يدير العمليات على الساحل الغربي.
وجاء ذلك بعد أن بسطت قوات صنعاء سيطرتها على امتداد المنطقة الواقعة من حيس شمالاً وصولاً إلى مدينة المخا جنوباً، مع إتاحة المجال للمجاميع المنسحبة لمغادرة مواقعها باتجاه عدن.
ولسقوط المخا أهمية تتجاوز حدود المدينة نفسها؛ فهي ليست مجرد قاعدة عسكرية أو مركز انتشار للفصائل، وإنما تقع على واحد من أهم الممرات البحرية في المنطقة، وعلى مقربة من باب المندب، كما تضم ميناءً ارتبط خلال السنوات الماضية بالترتيبات العسكرية والأمنية للقوى المدعومة من التحالف.
ولهذا السبب، دخلت التطورات في المخا سريعاً إلى دائرة الاهتمام الإسرائيلي. فقد قالت صحيفة “معاريف” الإسرائيلية، نقلاً عن مسؤولين إسرائيليين، إن هناك قلقاً في إسرائيل من نجاح قوات صنعاء في السيطرة على ميناء المخا، معتبرة أن السيطرة عليه قد تتيح فرض حصار أو ضغط أكبر على حركة الملاحة في باب المندب.
وتكتسب هذه المخاوف بعداً إضافياً بالنظر إلى طبيعة العلاقة التي نشأت خلال فترة سيطرة طارق صالح على المخا، حيث فُتحت، عبر الإمارات، قنوات تواصل مباشرة مع الجانب الإسرائيلي، وتحدثت تقارير إعلامية دولية في فترات سابقة عن زيارات متبادلة ولقاءات سرية بين وفود من الجانبين في عدد من الدول، بينها الأردن ومصر.
وبذلك، فإن سقوط المخا لا يعني فقط انهيار آخر موطئ قدم رئيسي لفصائل التحالف على الساحل الغربي، بل يمثل انتقالاً جديداً في معادلة السيطرة على الساحل ومحيط باب المندب، في وقت تتراجع فيه القوات التي كانت تراهن السعودية والإمارات على استخدامها لفرض ضغط عسكري باتجاه الحديدة.
تحليل:
سقوط المخا ليس حدثاً عسكرياً عابراً، بل كشف عارياً عن هشاشة مشروع التحالف برمّته. رواية “اختراق الاتصالات” و”التفاهمات العُمانية” ليست تفسيراً للهزيمة، بل مراوغة لتجميلها.
فمن يخسر ميناءً محورياً بهذه السرعة لم تُخترق أجهزته فقط، بل اخترقت شرعيته، وتآكلت حاضنته، وانهارت ثقة مقاتليه بمن كان يبيعهم أوهام التقدّم. السعودية التي أرادت من المخا منصة هجوم على الحديدة وجدت نفسها تنسحب وتحرق وثائقها، وطارق صالح الذي قدّم نفسه رجل الساحل يفرّ إلى عدن. المعادلة صارت واضحة: حيث لا مشروع وطني، تسقط المدن حتى قبل أن تدخلها القوات.
الأهم من المدينة هو موقعها. المخا ليست مكان على الخريطة، بل مفتاح باب المندب. خروجها من قبضة التحالف يقلب معادلة الساحل الغربي، ويمنح صنعاء ورقة ضغط بحرية استراتيجية.
هنا يظهر قلق كيان الاحتلال: ليس خائف على “أمن” إقليمي مجرّد، بل على شبكة مصالح ونفوذ بنتها عبر أبوظبي ووكلائها، وعلى قدرتها في استخدام الممرات البحرية ورقة مساومة. ومن راهن على أن وكلاء السعودية والإمارات سيحمون ظهره يكتشف الآن أنهم أول من يهرب، وأن الخطوط الخلفية التي فُتحت سراً في الأردن ومصر لا تصنع جيشاً ولا تحمي ميناءً.
ما جرى في المخا ليس نهاية معركة، بل إعلان موت “المنطقة الرمادية” التي حاول التحالف إدارتها بالميليشيات والاتفاقات والابتزاز. من يخسر المخا لا يخسر نقطة عسكرية، بل يخسر قدرته على فرض إيقاعه من الحديدة إلى عدن، ويترك الساحل الغربي ساحة إعادة تشكيل جديدة.
وكل حديث عن “اتفاق عبر عُمان” لن يغيّر حقيقة أن الهزيمة وقعت. ومن كان يراهن على واشنطن أو تل أبيب أو الرياض سيستيقظ على حقيقة أقسى: الحلفاء الذين يتحدثون عن المخاوف لا يقدمون إلا مزيداً من التخلي، والمخا ليست إلا الفصل الأول من انهيار المشروع الذي راهن على اليمن كساحة نفوذ لا كدولة.