بعد هزيمته بالساحل. طارق صالح يسترضي السعودية بدماء ألفين من عناصره.. وتسريبات إماراتية تلمّح إلى “صفقة“ مع صنعاء لإسقاطه..!

5٬990

أبين اليوم – خاص 

بدأ طارق صالح، قائد الفصائل المدعومة إماراتياً في الساحل الغربي لليمن، الأحد، محاولة استرضاء السعودية، بالتزامن مع موافقة الرياض أخيراً على السماح بدخوله أراضيها، ولكن بشروط تتضمن إخضاعه وشقيقه عمار للتحقيق، في تطور يعكس حجم التداعيات التي خلفتها التطورات العسكرية الأخيرة على الساحل الغربي.

وجاء السماح بدخول طارق إلى الرياض في أعقاب لقاء جمع وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان برئيس المجلس الرئاسي رشاد العليمي، قبل ساعات من منح طارق تأشيرة الدخول، وسط معلومات عن أن التحقيق معه ومع شقيقه عمار يأتي بناءً على طلب سعودي، في وقت تحاول فيه قيادة الفصائل الموالية للإمارات إعادة ترتيب روايتها بشأن الانهيار العسكري الذي أصاب مواقعها في الساحل.

وبالتزامن مع وصول طارق إلى الرياض، نشرت بقايا قواته روايتها الخاصة لما جرى، مدعية في بيان سقوط قرابة ألفي قتيل وجريح خلال المواجهات، في محاولة واضحة لإعادة تقديم الأحداث باعتبارها معركة عسكرية واسعة انتهت بخسائر، وليس انهياراً وانسحاباً متسارعاً أمام تقدم قوات صنعاء.

وحاول البيان أيضاً تضخيم حجم المواجهات عبر الإشارة إلى مشاركة أطراف إقليمية فيها، بما يعكس مسعى الفصائل إلى تقديم تفسير سياسي وعسكري يخفف من وطأة ما جرى، خصوصاً مع تصاعد الاتهامات الموجهة إلى قيادة طارق بشأن طريقة إدارة المعركة والانسحاب من مواقع استراتيجية في الساحل الغربي.

ويأتي ذلك بينما يواجه طارق وشقيقه عمار ضغوطاً متزايدة داخل المعسكر الموالي للتحالف، في ظل ترقب لما ستؤول إليه التحقيقات السعودية، وما إذا كانت ستقتصر على تقييم أسباب الانهيار العسكري، أم ستتوسع لتشمل ملفات القيادة والتمويل والتنسيق والقرارات التي سبقت سقوط المواقع العسكرية تباعاً.

وفي المقابل، يبدو أن الإمارات، الحليف الأبرز لطارق خلال السنوات الماضية، لم تساعده في احتواء تداعيات الأزمة، بل زادت وضعه تعقيداً من خلال تسريبات جديدة خرجت عبر وسائل إعلام مقربة منها.

وتضمنت تلك التسريبات معلومات وتلميحات إلى أن ما جرى في الساحل الغربي ربما كان مرتبطاً بتفاهم أو اتفاق مع من تصفهم تلك الوسائل بـ«الحوثيين»، وهو ما يفتح الباب أمام رواية مختلفة تماماً عن الرواية التي تحاول قوات طارق تسويقها بشأن طبيعة الانسحاب وحقيقة ما جرى خلف خطوط المواجهة.

ولا تزال حقيقة هذه التسريبات غير محسومة، كما لم يتضح ما إذا كانت أبوظبي تدفع باتجاه إقصاء طارق صالح نهائياً من المشهد اليمني، أو أنها تستخدم هذه الرواية كورقة ضغط في صراعها مع الرياض على النفوذ داخل الفصائل والمناطق التي كانت تحت إدارة حلفائها.

لكن توقيت التسريبات يكتسب أهمية خاصة؛ إذ جاءت في اللحظة التي يحاول فيها طارق إعادة التموضع عبر البوابة السعودية، الأمر الذي يجعلها قابلة للقراءة باعتبارها محاولة إماراتية لإحراج الرياض، وتعقيد مهمة احتواء طارق وإعادة دمجه في ترتيباتها الجديدة، خصوصاً بعد أن أصبحت قواته عبئاً عسكرياً وسياسياً بدلاً من كونها أداة نفوذ إماراتية مضمونة.

تحليل:

ما يحدث مع طارق صالح يتجاوز مسألة التحقيق في أسباب خسارة الساحل الغربي، إلى كونه صراعاً على مستقبل إحدى أهم أدوات النفوذ الإماراتي في اليمن. فالسعودية التي كانت تتعامل مع طارق باعتباره رقماً عسكرياً مهماً في مواجهة صنعاء، تجد نفسها الآن أمام قائد فقد جزءاً كبيراً من أوراق القوة التي كانت تمنحه وزناً مستقلاً، بينما أصبحت قواته مشتتة وتبحث عن مخرج سياسي بعد انهيار مواقعها العسكرية.

ولهذا فإن استدعاء طارق إلى الرياض لا يبدو مجرد إجراء أمني، بل أقرب إلى عملية إعادة تقييم شاملة للرجل ودوره ومستقبل تشكيلاته.

والأكثر حساسية أن الرواية الإماراتية الجديدة تضرب في قلب الرواية التي يحاول طارق تقديمها للسعودية. فإذا كانت أبوظبي تلمّح فعلاً إلى وجود تفاهم مع صنعاء، فإنها تضع الرياض أمام احتمالين كلاهما مكلف: إما أن تتعامل مع التسريبات باعتبارها جزءاً من الحرب الإعلامية الإماراتية، أو أن تفتح تحقيقاً أوسع في احتمالات وجود ترتيبات واتصالات خلف الكواليس. وفي الحالتين، يصبح طارق بحاجة إلى إثبات أنه لم يكن جزءاً من ترتيبات أفضت إلى الانهيار الذي أصاب قواته.

كما أن توقيت التسريبات يكشف جانباً آخر من الصراع السعودي ـ الإماراتي. فالسعودية تعمل على إعادة هندسة المعسكر المناهض لصنعاء، وتفكيك بعض مراكز النفوذ التي بنتها أبوظبي خلال سنوات الحرب، بينما تحاول الإمارات حماية ما تبقى لها من أوراق في الجنوب والساحل.

ولذلك فإن ضرب صورة طارق في هذه اللحظة قد يكون رسالة سياسية إلى الرياض أكثر منه مجرد كشف إعلامي لأحداث عسكرية.

أما طارق نفسه، فيبدو أنه انتقل من موقع القائد الذي يملك مشروعاً عسكرياً مستقلاً إلى موقع الطرف الذي يبحث عن مظلة إقليمية تنقذ ما تبقى من نفوذه.

وهذه النقلة هي جوهر الأزمة؛ فالسعودية لن تنظر إلى حجم القوة التي كان يملكها فقط، بل إلى قدرته على تنفيذ ترتيباتها الجديدة، ومدى إمكانية الوثوق به بعد الانهيار الأخير.

والأخطر أن معركة الساحل لم تعد مجرد خسارة مواقع جغرافية، بل تحولت إلى معركة على الرواية: طارق يريد إثبات أنه خاض معركة خاسرة، بينما خصومه يريدون إثبات أنه فرّ، والإمارات تلمّح إلى وجود صفقة، والسعودية تحقق في خلفيات الانهيار، في حين أن صنعاء هي الطرف الذي خرج من هذه الفوضى وهي تفرض واقعاً عسكرياً جديداً على الساحل.

ومن هنا فإن مستقبل طارق لن يتحدد فقط بما سيقوله في غرف التحقيق بالرياض، وإنما بما إذا كانت السعودية ستعتبره جزءاً من إعادة ترتيب المعسكر الموالي لها، أم ستتعامل معه باعتباره أحد أبرز مخلفات المرحلة الإماراتية التي ينبغي التخلص منها تدريجياً.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com