عطوان: لماذا خرجت الصين وروسيا وأوروبا الخاسر الأكبر من العدوان الأمريكي على فنزويلا وخطف رئيسها مادورو؟ وما هي الاحتمالات الثلاثة لصمتها المخجل والمتواطئ؟ ومن هي الدول الثماني المرشحة للاقتحام والاذلال ونهب الثروات..!
أبين اليوم – مقالات وتحليلات
تحليل/ عبدالباري عطوان:
ما زالت الصدمة التي أحدثها الغزو الجوي والبحري الأمريكي لفنزويلا في ذروتها، وحالة الارباك والارتباك الناجمة عنها التي وقعت وقوع الصاعقة على الامن العالمي ايضا، ولذلك ربما من غير الحكمة اصدار احكام قاطعة حول تطورات الحاضر وصورة المستقبل، ولكن القراءة الأولية لردود الفعل العالمية على هذا الغزو، وخطف رئيس دولة وزوجته من غرفة نومهم (مادورو) وخاصة من قبل القوى العالمية الرئيسية الثلاث: الصين، روسيا، وأوروبا جاء فاضحاً بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى.
هذا الموقف الفاضح، وخاصة من قبل القوتين العظمتين الصين وروسيا، يؤكد للوهلة الأولى ان قراءة دونالد ترامب ومعلمه الأول بنيامين نتنياهو كانت أقرب الى الدقة، عندما نجحت خطتهما في تطبيق نظرية “الصدمة والترويع” على الأرض الفنزويلية في تحقيق أهدافها دون أي رد فعل حقيقي قوي وسريع من قبل القوى الثلاث، باستثناء الإدانة والاستنكار والشكوى لمجلس الأمن، الأمر الذي سيشجع ترامب حتماً على المضي قدماً في انتهاك سيادة الدول، وتدمير ما تبقى من القانون الدولي، واحتلال ونهب ثروات المزيد من الدول المستهدفة الموضوعة على قمة جدول هجماته القادمة.
ترامب استعار نظرية نتنياهو التي يطبقها حالياً في الشرق الأوسط، عندما هدد بالحرف الواحد بإعادة صياغة خارطة النفوذ العالمي بالقوة العسكرية، والضغط الاقتصادي، والخطط التوسعية، ونهب الثروات الطبيعية ابتداء من النفط والغاز، وانتهاء بالذهب والمعادن الثمينة.
هناك ثلاثة تفسيرات لرد الفعل الصيني الروسي “المتخاذل” من حيث عدم اتخاذ ردود فعل سريعة لوقف العدوان الأمريكي، واجهاضه حتى قبل ان يبدأ، حيث كانت كل الدلائل والتحركات الامريكية تمهد له:
الأول: ان تكون هناك “صفقة” جرى التوصل اليها سراً في الاتصالات واللقاءات السرية بين ترامب وكل من الرئيسين الصيني والروسي، عنوانها الأبرز اتركوا لنا فنزويلا، وثرواتها ورأس نظامها، مقابل ان نترك لكم يا صينيون تايوان، ويا روس أوكرانيا، وادينوا واستنكروا مثلما شئتم.
الثاني: ان تكون الدولتان قد صمتا على الاستعدادات الامريكية للغزو واستخدام القوة العسكرية في فنزويلا في إطار تفاهمات مسبقة لإيقاع ترامب في هذه المصيدة، وتدمير سمعة الولايات المتحدة وتعرية اكاذيبها حول العالم الحر والديمقراطية وحقوق الانسان، وتحشيد العالم كله ضدها.
الثالث: الوقوف موقف المتفرج وتجنب الانجرار الى أي مواجهة عسكرية مباشرة مع إدارة ترامب، وتقديم فنزويلا كقربان للوحش الأمريكي، طالما ان هذه الحرب بعيدة عن اراضيهما، تماماً مثلما حصل في قطاع غزة ولبنان وايران والعراق واليمن على يد الثنائي الأمريكي الإسرائيلي.
للإجابة على السؤال المطروح حالياً بقوة حول الضحية أو الضحايا القادمة، لحالة السعار الحالية للرئيس ترامب، يمكن ترتيبها في قائمة من ثماني دول:
1 ـ فنزويلا ونفطها وذهبها ومعادنها وتأديبها على خروجها من بيت الطاعة الأمريكي، وتحدي رئيسها للإمبراطور ترامب.
2 ـ كولومبيا ورئيسها غوستافو بيترو التي تحدت الإدارة الأمريكية وحليفها نتنياهو عندما قطعت العلاقات مع كيان الاحتلال، ووقفت في خندق مجاهدي قطاع غزة ضد حرب الإبادة والتجويع والتطهير العرقي.
3 ـ كوبا الدولة العريقة المتمردة على النفوذ الأمريكي والصمود في وجهه لعدة عقود رغم الحصار والتجويع.
4 ـ المكسيك وقيادتها العنيدة والمحاذية للولايات المتحدة، وتهديدها لديمغرافيتها عبر موجات المهاجرين، وادانتها لحرب الإبادة.
5 ـ غرينلاند، الجزيرة ذات الموقع الاستراتيجي والتابعة لدولة الدنمارك، التي تملك ثروات هائلة من المعادن.
6 ـ ايران الدولة الشرق أوسطية العظمى التي طورت برامج نووية ومنظومات صاروخية باتت تجعلها تشكل تهديداً وجودياً لدولة الاحتلال الإسرائيلي وزعزعة أمنها واستقرارها وتفوقها العسكري، وفشل العدوانين الإسرائيلي والأمريكي في تغيير نظامها بالعدوان.
7 ـ نيجيريا، الدولة النفطية الافريقية والذريعة وجود قوي للدولة الإسلامية “داعش” على ارضها، وبزعم الاعتداء على المسيحيين، حيث تحول ترامب المتورط في اغتصاب القاصرات ومعاشرة العاهرات، فجأة الى قسيس او حتى بابا.
8 ـ كندا التي توعد الرئيس ترامب بضمها واعتبارها الولاية الأمريكية 51.
الأمر المؤكد ان منظومة “بريكس” التي ارادتها كل من الصين وروسيا قوة اقتصادية وعسكرية موازية لحلف “الناتو”، وللقضاء على هيمنة الدولار والنظام المالي الأمريكي، قد منيت بضربة شبه قاضية من جراء صمت قيادتها واعضائها على هذا العدوان الأمريكي على فنزويلا، فمن سيثق بهذه المنظومة ويتطلع الى حمايتها وسيادتها وثرواتها في المستقبلين البعيد والقريب، اللهم الا اذا استعادت مصداقيتها واثبتت عملياً انها مستعدة للمواجهة والالتزام بميثاقها.
الرد المؤسف للقوى الثلاث المذكورة آنفا (الصين، روسيا، أوروبا) اذا استمر بالصورة التي نراها حالياً سيشجع ترامب حتماً على المضي قدماً في مخططاته لتركيع واستعمار الدول المذكورة على قائمته، ونقترح تأسيس تحالف جديد شعبي وحكومي عالمي موسع يضمها جميعاً، لمواجهة ترامب ووضع حد لغطرسته وعدوانيته، وأخطاره التي لم يقدم على مثلها الا هتلر ونتنياهو.
نريد ان نختم بالقول ان أمريكا ليست “معصومة” من الهزيمة الكبرى والقاضية، ومن قبل الدول “الصغيرة” التي تملك شعوبها الإرادة، والقيادة الوطنية الشريفة، ويمكن ذكر دولتين فقط وهما افغانستان والعراق، ونعرج على دولة ثالثة اذلت ترامب وهي كوريا الشمالية، التي تتربع على ترسانة نووية قوية مدعومة بصواريخ عابرة للقارات، ولا يجرؤ ترامب غير الإنحناء امام رئيسها.
نتنياهو ورط ترامب في هذه الحرب للانتقام من دول امريكا اللاتينية التي رفعت علم فلسطين، ولإخراج كيان الاحتلال من هزائمه، والدمار الذي لحق به من جراء حرب الإبادة في قطاع غزة، ومن المؤكد ان شعوب العالم ستتوحد في جبهة واحدة ضد الاستعمار الأمريكي الإسرائيلي الجديد، وليكن الانسحاب من مسابقة كأس العالم التي ستقام على الأرض الامريكية الصيف القادم الخطوة الأولى على هذه الطريق.
تحليل:
نص عطوان لا يقف عند حدود توصيف حدث بعينه، بل يطرح اتهاماً مباشراً للنظام الدولي القائم على ازدواجية المعايير والعجز البنيوي.
الفكرة المحورية هنا أن صمت القوى الكبرى ليس حياداً، بل مشاركة غير مباشرة في إعادة إنتاج شريعة الغاب، حيث تُكافأ القوة ويُعاقَب الضعف.
الأخطر في هذا الطرح هو الربط بين العدوان على فنزويلا وما جرى ويجري في غزة واليمن والعراق وإيران، باعتبارها حلقات في مشروع واحد تقوده واشنطن وتل أبيب لإعادة تشكيل العالم بالقوة. كما أن التشكيك في جدوى “بريكس” يفتح سؤالاً استراتيجياً كبيراً: هل نحن أمام نظام عالمي يتغير فعلاً، أم مجرد وهم توازنات سرعان ما ينهار عند أول اختبار حقيقي؟
في المحصلة، يحذر عطوان من أن استمرار هذا الصمت سيجعل العالم أقل أمناً، ويفتح الباب أمام عصر جديد من الاستعمار العاري، ما لم تتشكل جبهة دولية وشعبية قادرة على كسر هذه المعادلة.
المصدر: رأي اليوم