“الضالع“| ما وراء محاولة الرياض توجيه دفة المعركة مع “الحوثيين” جنوباً مع أنها تعرف الوجهة..!
أبين اليوم – خاص
مع تصاعد التهديدات المتبادلة بين صنعاء والرياض وعودة الحديث عن احتمالات المواجهة العسكرية المباشرة، برزت محافظة الضالع خلال الساعات الأخيرة كساحة اشتباكات مفاجئة أثارت تساؤلات واسعة حول توقيتها وأهدافها الحقيقية، خصوصاً في ظل تأكيدات متزايدة بأن مسار أي مواجهة مرتقبة لن يكون باتجاه الجنوب، بل نحو أهداف أكثر ارتباطاً بالسعودية ومصالحها الاستراتيجية.
ووفقاً لبيان صادر عن ضباط ومقاتلين في قوات العمالقة الجنوبية، فإن ما شهدته جبهات الضالع لم يكن سوى محاولة سعودية لاستدراج واستنزاف الفصائل الجنوبية الرافضة لبعض التوجهات السعودية الأخيرة، وفي مقدمتها مساعي إعادة هيكلة أو تفكيك بعض التشكيلات العسكرية النافذة في الجنوب.
وأشار البيان إلى أن الرياض استغلت مناوشات اعتيادية على خطوط التماس لدفع أعداد كبيرة من المقاتلين إلى الجبهات تحت مبرر منع انهيار المواقع العسكرية، قبل أن يجد هؤلاء أنفسهم في مواجهة مباشرة دون تسليح كافٍ أو غطاء مناسب، في ما وصفه البيان بأنه “كمين” استهدف الزج بالمقاتلين في معركة غير محسوبة النتائج.
وتزامن ذلك مع حملة إعلامية واسعة قادتها وسائل إعلام وشخصيات محسوبة على السعودية، إضافة إلى مسؤولين في حكومة عدن، ركزت على تصوير الوضع العسكري في الضالع باعتباره انهياراً وشيكاً للجبهات واحتمال سقوط المحافظة، رغم أن توصيفات ميدانية عدة أكدت أن الاشتباكات بدأت كمواجهات محدودة قبل أن تتوسع لاحقاً بفعل التعزيزات والتحشيد الإعلامي والسياسي.
وشهدت جبهات الضالع، الأربعاء، مواجهات وُصفت بأنها من الأعنف منذ أشهر، ترافقت مع أنباء عن انسحاب وحدات من الفصائل الجنوبية من بعض المواقع الأمامية بعد خسائر ميدانية وسيطرة قوات صنعاء على عتاد عسكري، وفق ما أفادت به مصادر محلية وقبلية.
وجاءت هذه التطورات بالتزامن مع إعلان صنعاء دخول مرحلة جديدة من التصعيد السياسي والعسكري تجاه السعودية، وهو ما عزز من فرضية أن الرياض تسعى إلى نقل بوصلة الصراع نحو الجبهة الجنوبية وإبعاد أي مواجهة محتملة عن حدودها المباشرة أو عن جبهات أكثر حساسية بالنسبة لها، وفي مقدمتها مأرب والمناطق الحدودية.
وفي هذا السياق، كشف الصحفي والقيادي في المجلس الانتقالي صلاح بن لغبر جانباً من الرؤية المتداولة داخل الأوساط الجنوبية بشأن ما يجري، معتبراً أن الهدف السعودي يتمثل في إبقاء مختلف القوى اليمنية غارقة في صراعات داخلية لا تنتهي، بحيث تستمر حالة الاستنزاف المتبادل بين الشمال والجنوب، بما يضمن بقاء النفوذ السعودي وتحجيم أي قوة قد تتجه مستقبلاً لمواجهة الرياض أو التحرر من هيمنتها السياسية والعسكرية.
وأضاف بن لغبر أن السياسة ذاتها تنطبق على الجماعات السلفية التي يتم الدفع بها بصورة مستمرة إلى ساحات القتال، في إطار إدارة صراع طويل الأمد يضمن استمرار حالة الإنهاك لدى مختلف الأطراف اليمنية.
وفي موازاة ذلك، أبدى المجلس الانتقالي الجنوبي رفضاً واضحاً لما وصفه بمحاولات فرض الإملاءات السعودية، مؤكداً في بيان صادر عن هيئته السياسية رفضه الانصياع للضغوط والتوجهات التي تهدف إلى جر المحافظة إلى معركة واسعة مع صنعاء.
وتحدثت مصادر جنوبية عن فشل محاولات سعودية لتجييش أبناء الضالع وتحشيدهم للقتال عبر حملات إعلامية مكثفة روجت لمزاعم بشأن نية قوات صنعاء التقدم نحو المدينة، إضافة إلى استغلال بعض الحوادث الأمنية لتأجيج المخاوف الشعبية ودفع المحافظة إلى الانخراط في مواجهة أوسع.
وتشير مجمل التطورات إلى أن الضالع تحولت خلال الأيام الأخيرة إلى ساحة اختبار مبكرة لملامح المرحلة المقبلة من الصراع، في وقت تتزايد فيه المؤشرات على اقتراب جولة جديدة من المواجهة الإقليمية بين صنعاء والرياض، وسط محاولات سعودية لإعادة رسم خطوط الاشتباك بما يضمن إبعاد الخطر عن حدودها وإبقاء المعركة داخل الجغرافيا اليمنية.
تحليل:
تكشف التطورات الأخيرة في الضالع عن حالة قلق سعودي متزايد من احتمالية انتقال أي مواجهة قادمة مع صنعاء إلى مستويات أكثر خطورة تمس العمق السعودي أو مناطق النفوذ الحيوية المرتبطة به.
ومن هذا المنطلق تبدو محاولات إعادة تنشيط جبهات الجنوب جزءاً من استراتيجية تهدف إلى إعادة توجيه مسار الصراع نحو ساحات استنزاف داخلية تمنع صنعاء من تركيز جهودها على أهداف أخرى أكثر حساسية بالنسبة للرياض.
كما أن المواقف الصادرة عن شخصيات وقيادات جنوبية، بما فيها شخصيات محسوبة على المجلس الانتقالي، تعكس اتساع فجوة الثقة بين بعض القوى الجنوبية والسعودية، خصوصاً مع تنامي الاعتقاد بأن استمرار الحرب يخدم بالدرجة الأولى بقاء النفوذ الخارجي وإدامة حالة الانقسام.
وإذا استمرت هذه القناعة في التوسع داخل الأوساط الجنوبية، فقد تشهد المرحلة المقبلة تحولات سياسية وعسكرية مهمة، أبرزها تصاعد الدعوات لإعادة صياغة العلاقة مع صنعاء أو البحث عن تفاهمات جديدة تتجاوز معادلات الصراع التقليدية التي حكمت المشهد اليمني خلال السنوات الماضية.
وفي حال صحت التقديرات بشأن اقتراب جولة تصعيد جديدة بين صنعاء والسعودية، فإن الضالع قد لا تكون سوى البداية لمحاولة أوسع لإعادة توزيع الجبهات وإدارة الصراع وفق أولويات إقليمية، غير أن نجاح هذه الاستراتيجية سيظل مرهوناً بمدى استعداد القوى المحلية للاستمرار في خوض معارك استنزاف طويلة، في وقت تتزايد فيه الأصوات المطالبة بإنهاء الصراع اليمني – اليمني والتفرغ لمعالجة جذور الأزمة ومصادر التدخل الخارجي.