“تقرير“| من فتنة عفاش إلى فدغم.. لماذا تفشل السعودية في اختراق الجبهة الداخلية للحوثيين..!

7٬884

أبين اليوم – تقارير 

منذ انطلاق العمليات العسكرية التي قادتها السعودية ضد اليمن في مارس 2015، لم تقتصر استراتيجية الرياض على المواجهة العسكرية المباشرة، بل امتدت إلى مسارات سياسية وإعلامية واجتماعية هدفت بصورة أساسية إلى استهداف الجبهة الداخلية لأنصار الله (الحوثيين)، انطلاقاً من قناعة مفادها أن إحداث انقسامات داخلية قد يحقق ما عجزت عنه العمليات العسكرية طوال سنوات الحرب.

واعتمدت هذه الاستراتيجية على توظيف التناقضات السياسية والقبلية والاجتماعية داخل المجتمع اليمني، ومحاولة استثمار الخلافات الشخصية والقضايا الأخلاقية والإعلامية وتحويلها إلى أدوات ضغط سياسي وأمني ضد سلطة صنعاء. غير أن حصيلة أكثر من عقد من هذه المحاولات، وفقاً لقراءات عدد من المراقبين، تكشف عن فجوة واسعة بين حجم الموارد التي سُخرت لهذا المسار وبين النتائج الفعلية التي تحققت على الأرض.

ورقة علي عبدالله صالح.. الرهان الأكبر:

مثلت أحداث ديسمبر 2017 واحدة من أبرز المحطات التي راهنت عليها الرياض لإحداث تحول استراتيجي داخل معسكر صنعاء. فمع اندلاع المواجهات بين الرئيس اليمني الأسبق علي عبدالله صالح والقوات الموالية له من جهة، وأنصار الله من جهة أخرى، اعتبرت السعودية أن الفرصة أصبحت مواتية لإحداث شرخ كبير داخل الجبهة الداخلية التي تشكلت خلال سنوات الحرب الأولى.

وشهد الخطاب الإعلامي السعودي في تلك الفترة تحولاً لافتاً، إذ انتقل صالح خلال أيام من شخصية كانت تُحمَّل مسؤولية أزمات اليمن وانقلاباته السياسية والعسكرية إلى رمز وطني يتم الاحتفاء به باعتباره قادراً على إسقاط أنصار الله من الداخل. غير أن الرهان لم يدم طويلاً، إذ انتهت المواجهات سريعاً بحسم أنصار الله للصراع، لتتحول المحطة التي كانت تُنظر إليها كفرصة تاريخية إلى واحدة من أبرز إخفاقات مشروع اختراق الجبهة الداخلية لصنعاء.

من الصراعات السياسية إلى القضايا الاجتماعية:

لم تتوقف محاولات التأثير عند حدود الصراعات السياسية الكبرى، بل توسعت خلال السنوات الماضية لتشمل ملفات اجتماعية وقبلية وشخصية متعددة. فبحسب مراقبين، جرى التعامل مع كثير من الأحداث المحلية باعتبارها فرصاً يمكن البناء عليها لإثارة التوترات داخل المجتمع، من خلال تضخيمها إعلامياً وتقديمها كدليل على وجود تصدعات عميقة داخل مناطق سيطرة حكومة صنعاء.

ويأتي هذا التوجه في إطار تحول أوسع فرضته معطيات الحرب، إذ أدركت الرياض وحلفاؤها أن الحسم العسكري المباشر لم يحقق الأهداف التي أُعلنت عند بداية العمليات العسكرية، ما دفع نحو التركيز بصورة أكبر على أدوات الحرب الناعمة والحرب النفسية والإعلامية، باعتبارها مساراً بديلاً يمكن أن يحقق نتائج تراكمية على المدى الطويل.

قضية فدغم وسمية الزبيري.. محاولة لاستهداف البيئة القبلية:

في الأسابيع الأخيرة برزت قضية الشيخ فدغم وسمية الزبيري، التي عرفت نفسها باسم “ميرا صدام حسين”، لتتحول إلى مادة إعلامية مكثفة في المنصات المناهضة لأنصار الله. ووفقاً للرواية المتداولة في أوساط أنصار الله ومؤيديهم، فقد تم تضخيم القضية سياسياً وإعلامياً رغم حسمها بالوثائق والأدلة، في إطار محاولة لاستثمارها في التأثير على المزاج القبلي وتحويلها إلى قضية رأي عام تتجاوز أبعادها المباشرة.

وتكتسب مثل هذه القضايا حساسية خاصة في مجتمع لا تزال القبيلة والقيم الاجتماعية فيه تلعب دوراً محورياً في تشكيل المواقف العامة، الأمر الذي يجعلها هدفاً دائماً للحملات الإعلامية الرامية إلى التأثير على التماسك الاجتماعي أو إثارة السخط الشعبي تجاه السلطات المحلية.

الرهان على تراكم الأزمات:

لا تبدو الرياض، وفقاً لمراقبين، معتمدة على قضية بعينها لتحقيق اختراق سياسي أو اجتماعي داخل مناطق سيطرة صنعاء، بل تراهن على مبدأ التراكم. فالفكرة الأساسية تقوم على أن تكرار إثارة الملفات المثيرة للجدل، بالتزامن مع الضغوط الاقتصادية والمعيشية، قد يؤدي بمرور الوقت إلى خلق حالة من التململ الشعبي تضعف من تماسك الجبهة الداخلية.

ويتقاطع هذا المسار مع أدوات ضغط أخرى، أبرزها الملف الاقتصادي، حيث يُنظر إلى الحصار والإجراءات الاقتصادية باعتبارها جزءاً من منظومة ضغط متكاملة تهدف إلى تحقيق أهداف سياسية وأمنية يصعب تحقيقها بالوسائل العسكرية وحدها.

– لماذا لم تنجح هذه المحاولات؟

يرى عدد من المراقبين أن محدودية النتائج التي حققتها هذه السياسات تعود إلى عدة عوامل متداخلة، أبرزها تنامي الوعي الشعبي بطبيعة الصراع وأدواته، إضافة إلى القدرات الأمنية والتنظيمية التي بنتها سلطات صنعاء خلال سنوات الحرب.

فبعد أكثر من عشر سنوات من المواجهة، أصبح جزء كبير من المجتمع اليمني أكثر إدراكاً لمحاولات التأثير الخارجي في القضايا الداخلية، وهو ما حدّ من قدرة الحملات الإعلامية والسياسية على تحقيق أهدافها المعلنة. بل إن بعض هذه الحملات أسهمت، بحسب هذه القراءات، في تعزيز مشاعر الرفض للدور السعودي لدى شرائح مختلفة من اليمنيين.

ويستشهد أصحاب هذا الرأي بالاستجابات القبلية الواسعة التي شهدتها عدة محافظات يمنية خلال الأيام الماضية عقب دعوات التعبئة والاستعداد لمعركة “كسر الحصار”، معتبرين أن هذه التحركات تعكس استمرار قدرة أنصار الله على الحشد والتعبئة رغم سنوات الحرب الطويلة وما رافقها من ضغوط سياسية واقتصادية وعسكرية.

خطأ التقدير السعودي:

يذهب بعض المراقبين إلى أن أحد أبرز أسباب الإخفاق السعودي يتمثل في طبيعة القراءة التي اعتمدتها الرياض تجاه أنصار الله منذ بداية الحرب.

فالسعودية، بحسب هذه الرؤية، تعاملت مع الجماعة باعتبارها امتداداً للقوى السياسية اليمنية التقليدية التي يمكن تفكيكها عبر الضغوط أو شراء الولاءات أو استثمار الانقسامات الداخلية، بينما تمتلك الجماعة بنية تنظيمية وفكرية مختلفة نسبياً عن كثير من التجارب السياسية اليمنية السابقة.

كما أن سنوات الحرب، بدلاً من أن تؤدي إلى إضعاف أنصار الله، أسهمت في تطوير قدراتهم السياسية والعسكرية والتنظيمية، وهو ما يظهر من خلال المقارنة بين واقع الجماعة عند بداية الحرب ووضعها الحالي على مختلف المستويات.

وعليه يمكن القول:

تكشف تجربة السنوات الإحدى عشرة الماضية أن الحرب على اليمن لم تعد تُقاس بنتائج المواجهات العسكرية فقط، بل بمدى قدرة كل طرف على التأثير في البيئة الاجتماعية والسياسية للطرف الآخر.

وبالنسبة للسعودية، فإن الرهان المستمر على تفجير التناقضات الداخلية داخل مناطق سيطرة صنعاء لم يحقق حتى الآن الاختراق الاستراتيجي الذي كانت تطمح إليه، رغم تعدد الأدوات وتنوع الملفات المستخدمة.

وفي المقابل، استطاع أنصار الله تحويل جزء كبير من الضغوط الخارجية إلى عناصر تعبئة داخلية، مستفيدين من استمرار الحرب والحصار في تعزيز خطابهم السياسي وتوسيع دائرة التأييد لهم داخل قطاعات من المجتمع.

كما أن فشل الرهانات المتكررة على الانقسامات الداخلية، من أحداث ديسمبر 2017 وصولاً إلى القضايا الاجتماعية والقبلية الأخيرة، يعكس وجود خلل بنيوي في تقدير الرياض لطبيعة خصمها وللتحولات التي طرأت على المجتمع اليمني خلال سنوات الحرب.

ومع تضاؤل فرص الحسم العسكري، وتراجع فاعلية أدوات الحرب الناعمة مقارنة بالتوقعات التي بُنيت عليها، تبدو السعودية أمام معادلة أكثر تعقيداً مما كانت عليه عند بداية الحرب.

فكلما طال أمد الصراع دون تسوية سياسية شاملة، تزداد كلفة الخيارات التقليدية وتتراجع فرص تحقيق الأهداف المعلنة.

ولهذا يرى عدد متزايد من المراقبين أن المسار السياسي الجاد، القائم على معالجة جذور الأزمة ورفع الضغوط الاقتصادية والانخراط في تسوية متوازنة، قد يكون الخيار الأكثر واقعية لتحقيق الاستقرار، بعد سنوات طويلة من الرهانات العسكرية والإعلامية التي لم تُفضِ إلى النتائج المرجوة.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com