“عدن“| باحث سياسي يفكك إعلان الانتقالي: مرحلة بلا تفويض واستفتاء لشرعنة أمر واقع..!
أبين اليوم – خاص
قال الباحث السياسي أنس القاضي إن إعلان رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي ما وصفه بـ«مرحلة انتقالية» لمدة عامين تنتهي باستفتاء لتقرير المصير بإشراف أممي، لا يستند إلى تفويض شعبي جنوبي عام يمكن التحقق منه، معتبراً أن الخطوة تقوم على افتراض خطابي لشرعية غير مُؤسَّسة سياسياً أو إجرائياً.
وأوضح القاضي، في منشور على منصة «إكس»، أن الإعلان الذي رُفع تحت عنوان «استعادة دولة الجنوب العربي» يُقصي منذ بدايته أي إطار تفاوضي جامع داخل الجنوب أو مع بقية القوى اليمنية، ويقدّم المجلس الانتقالي بوصفه سلطة أمر واقع تبحث لاحقاً عن الشرعية، لا كقوة سياسية تستمدها مسبقاً.
وأضاف أن الاستفتاء، وفق هذا المسار، لا يُطرح كآلية تأسيسية حقيقية لحق تقرير المصير، بل كأداة لإضفاء شرعية لاحقة على مسار أحادي مفروض سلفاً، ما يُفقده جوهره الديمقراطي، ويحوّله إلى إجراء شكلي تحكمه موازين القوة لا الإرادة السياسية الحرة.
وفي ما يخص التوقيت، أشار القاضي إلى أن الإعلان يأتي في لحظة حساسة يتعرض فيها نفوذ المجلس الانتقالي لضغوط ميدانية متصاعدة في الشرق، خصوصاً في حضرموت والمهرة، بالتوازي مع مؤشرات على إعادة تموضع عسكري، من بينها سحب وحدات من قوات العمالقة من الساحل الغربي إلى عدن، والتحشيد الدفاعي تحسباً لردود فعل معاكسة.
سياسياً، رأى القاضي أن هذه الخطوة تتقاطع مع تراجع واضح في قابلية تسويق أي إجراء أحادي جنوبياً على المستويين الإقليمي والدولي، في ظل التمسك بالإطار القانوني للجمهورية اليمنية ورفض المسارات الانفصالية، معتبراً أن الإعلان يبدو أقرب إلى استجابة سياسية مأزومة لضغوط الميدان، لا ثمرة مسار استراتيجي ناضج.
وسلّط الباحث الضوء على تناقضات جوهرية في الإعلان، أبرزها منطق «السيطرة أولاً والشرعية لاحقاً»، والتناقض بين خطاب الحوار ومنطق التحشيد العسكري، مؤكداً عدم إمكانية إدارة انتقال سياسي حقيقي في ظل تعبئة عسكرية مستمرة.
كما انتقد تعريف الإعلان لما سمّاه «القوى الوطنية في الشمال»، معتبراً أن حصرها عملياً في أطراف عسكرية بعينها يحوّل الشراكة المعلنة إلى تحالف عسكري ظرفي، وينسف أي ادعاء بفتح حوار وطني شامل.
وحذّر القاضي من أن المسار المعلن قد يقود إلى انكماش جغرافي لنفوذ المجلس الانتقالي، مع قابلية فقدان أو تحييد محافظات مثل أبين وشبوة، بما قد يفضي إلى كيان محدود يقوم على عصبية سياسية–مناطقية ضيقة، ويعيد إنتاج منطق «الطغمة» بصيغة معاصرة.
وختم بالقول إن إعلان المرحلة الانتقالية يمكن قراءته كأداة تعبئة داخلية نجحت نسبياً في شدّ العصب السياسي للمجلس الانتقالي، لكنه لا يمثل مشروع عودة حقيقية إلى ما قبل 1990، إلا في حدود سيناريو انفصال محدود جغرافياً، مرجحاً أن يسهم الإعلان في مزيد من التصعيد وتعقيد المشهد، لا في فتح أفق سياسي جديد.
تحليل:
تقدّم قراءة أنس القاضي تفكيكاً نقدياً عميقاً لإعلان الانتقالي، ينقل النقاش من سطح الشعارات إلى بنية الشرعية نفسها. فجوهر المأزق، كما يطرحه، لا يكمن في فكرة المرحلة الانتقالية بحد ذاتها، بل في غياب التفويض، وتقديم القوة كبديل عن التوافق، والاستفتاء كأداة تصديق لا تأسيس.
كما يكشف التحليل أن الإعلان جاء في لحظة ضغط ميداني وتراجع في القابلية الإقليمية والدولية لتسويق أي مسار أحادي، ما يجعله أقرب إلى محاولة تثبيت المواقع وإعادة شحذ القاعدة الداخلية.
وبهذا المعنى، فإن الإعلان لا يفتح مسار دولة، بقدر ما يعمّق إشكالية الكيان، ويعيد إنتاج الانقسام الجنوبي–الجنوبي ضمن سياق إقليمي أكثر تعقيداً وأقل تسامحاً مع المغامرات السياسية غير المتوافق عليها.