“تقرير“| ضمن النهب العابر للحدود: استراتيجية الإمارات لـ “إخصاء“ النظام البيئي البحري في سواحل اليمن..!
أبين اليوم – خاص
يكشف التحقيق الاستقصائي المدعوم من “مركز بوليتزر” عن واقع مرير يتجاوز مجرد الصيد الجائر في السواحل اليمنية، ليصل إلى توصيف “الاستنزاف البنيوي” للبيئة البحرية.
إنها قصة تحول الثروة السمكية – العمود الفقري لغذاء البسطاء – إلى “ذهب أخضر” يُطحن في مصانع مملوكة لشركات مرتبطة بنفوذ إقليمي، وتحديداً من دولة الإمارات، وسط غياب تام للسيادة الرقابية للحكومة اليمنية.
أولاً: استراتيجية “الاحتكار الخشن” وسلسلة التوريد:
لم يكن تشغيل شركة إماراتية واحدة لـ 40% من مصانع طحن الأسماك في السواحل الشرقية محض صدفة تجارية، بل هو جزء من هندسة اقتصادية تهدف للسيطرة على كامل سلسلة التوريد.
تبدأ هذه الاستراتيجية بخنق الصياد التقليدي عبر فرض أسعار شراء متدنية مستغلة غياب بدائل الحفظ والتخزين، ومن ثم الانتقال إلى “التحويل النوعي” للثروة السمكية؛ حيث يتم تحويلها من مادة غذائية للبشر إلى دقيق وزيت سمك مخصص للأعلاف الصناعية والمزارع السمكية الكبرى خارج الحدود.
النتيجة النهائية هي تصدير عشرات الآلاف من الأطنان بقيمة ملايين الدولارات، دون أن يدخل قرش واحد منها في الدورة الاقتصادية المحلية أو الخزينة العامة.
ثانياً: سقطرى.. اغتيال “الرئة البحرية” للمحيط الهندي:
تمثل أرخبيل سقطرى الحالة الأكثر مأساوية في هذا المشهد؛ فالجزيرة المصنفة محمية طبيعية عالمية تواجه اليوم “جريمة بيئية مضاعفة”. إن استنزاف السردين والأسماك الصغيرة يعني كسر الحلقة الأساسية في السلسلة الغذائية البحرية، وهو ما يؤدي بالضرورة إلى تجويع الأسماك الكبيرة (مثل التونة)، مما يسفر عن انهيار تدريجي للمصائد التي يعتمد عليها آلاف الصيادين السقطريين كخيار عيش وحيد.
هذا “التصحر البحري” الناتج عن استخدام وسائل صيد جارفة وسحب الأسماك قبل بلوغها دورة التكاثر، يهدد بتحويل مياه الأرخبيل إلى صحراء مائية ميتة في غضون سنوات قليلة.
ثالثاً: التواطؤ المؤسسي وحكومة “اللا قرار”:
يوثق التحقيق حالة من “الفوضى التشريعية الممنهجة” داخل أروقة الحكومة اليمنية، حيث تظهر ازدواجية صارخة في المعايير؛ فبينما تصدر قرارات شكلية بإيقاف المصانع لإرضاء الرأي العام، تُمنح في الخفاء استثناءات وتسهيلات تحت لافتة “تشجيع الاستثمار”.
هذا التناقض وفّر مظلة مثالية للشركات المتنفذة لمواصلة العمل بطاقات إنتاجية تتجاوز التراخيص الممنوحة لها، وفي غياب تام لفرق التفتيش البحري، مما جعل السواحل اليمنية منطقة مستباحة للنهب المنظم تحت غطاء قانوني هش.
رابعاً: الأبعاد الجيوسياسية والسيادة المفقودة:
لا يمكن فصل استنزاف البحر عن المشهد السياسي العام؛ فالنفوذ الإماراتي الواضح في سقطرى والمناطق الشرقية وفر “الحماية السياسية والأمنية” لهذه الاستثمارات التدميرية.
وبينما يواجه الصياد اليمني البسيط مخاطر البحر والفقر، تتحرك السفن العملاقة المحملة بزيوت ودقيق الأسماك تحت مرأى ومسمع السلطات المحلية التي تبدو عاجزة أو متواطئة، مما يطرح تساؤلات حقيقية حول ما تبقى من مفهوم السيادة الوطنية على الموارد السيادية.
وعليه يمكن القول:
إن ما يحدث في سقطرى وعموم سواحل اليمن ليس مجرد سوء إدارة، بل هو “جريمة استعمارية ناعمة” تستهدف إفراغ البحار اليمنية من قيمتها الاستراتيجية.
إن استمرار هذا النهج الإماراتي، المغطى بعجز حكومي، يعني أن اليمن مقبل على كارثة “جوع بحري” لن تنفع معها المساعدات الإغاثية؛ لأن المصدر الطبيعي للبروتين والرزق سيفنى للأبد.
إن إنقاذ “الرئة الزرقاء” لليمن يتطلب معركة سيادية تبدأ بطرد “طواحين الموت” من السواحل، وإعادة الاعتبار للصياد التقليدي كحارس وحيد لهذه الثروة، قبل أن يتحول المحيط الهندي حول سقطرى إلى شاهد على “أكبر عملية اغتيال بيئي” في العصر الحديث.