مفاوضات بُرغنستوك بين التهديد والتسوية.. كيف أجبرت إيران واشنطن على التفاوض بشروط جديدة..!
أبين اليوم – وكالات
في وقتٍ تتجه فيه أنظار العالم صوب منتجع “بُرغنستوك” السويسري لمتابعة المفاوضات الأمريكية الإيرانية الحاسمة، اختارت إدارة ترامب بدء المعركة من منصات التواصل؛ حيث فجّرت تصريحات الرئيس الأمريكي الأخيرة حول السيطرة على مضيق هرمز عاصفة سياسية عشية الجولة التقنية المعقدة التي ترعاها قطر وباكستان..
ورغم المحتوى الهجومي والاستعراضي لهذا الخطاب، فإن القراءة المتعمقة لملابسات الساعات الأخيرة تكشف عن فجوة رقمية وسياسية واسعة بين التهويل الإعلامي والحقائق الميدانية على الأرض.
حملت تغريدات ترامب عبر منصته “تروث سوشيال” وعيداً بفرض سيطرة أمريكية عسكرية على المضيق، وتطبيق رسوم عبور قسرية على السفن المارّة تشمل 20% من إجمالي النفط العالمي الذي يعبر هذا الشريان الحيوي، غير أن الواقع يؤكد أن طهران دخلت هذه الجولة وهي تمسك بزمام المبادرة وتدير خيوط المناورة الذكية، مستغلة تراجع طموحات الإدارة الأمريكية أمام الحسابات الجيوسياسية والاقتصادية المعقدة.
ولا يمكن فصل النبرة العالية لترامب عن الضغوط الاقتصادية والسياسية الخانقة التي يواجهها في الداخل الأمريكي، وتحديداً أزمة أسعار الوقود التي تحوم حول عتبة 100 دولار للبرميل، مما يهدد مستهدفات إدارته الاقتصادية والوعود الانتخابية التي قطعها للجمهور.
وفي هذا السياق، تبدو تلويحات ترامب بفرض “رسوم عبور” بعد مهلة الـ 60 يوماً، عبارة عن محاولة دعائية واضحة لتسويق أي تسوية مقبلة كـ “مكسب مالي” للناخب الأمريكي تحت شعار تعويض تكاليف الحماية البحرية التي يقدمها الجيش الأمريكي، غير أن الواقع الميداني يؤكد أن واشنطن هي الطرف الأكثر اضطراراً لتأمين التدفق الحر للنفط؛ إذ أقر مسؤولون في قطاع الطاقة الأمريكي أمام الكونغرس بأن حماية الأسواق العالمية من الركود والكساد تمر إجبارياً عبر التهدئة مع طهران.
هذا المأزق الاقتصادي يحرم البيت الأبيض عملياً من رفاهية الذهاب إلى خيار “الضغط الأقصى” أو المغامرة العسكرية غير المحسوبة في مياه الخليج، ختصة وأنه على الصعيد الميداني، أثبتت التطورات الأخيرة أن طهران نجحت في فرض شروط اللعبة السياسية من خلال استغلال موقعها الجغرافي الفريد المتحكم في المضيق.
وجاء قرار قيادة “مقر خاتم الأنبياء المركزي” بالتلميح لإعادة إغلاق الممر المائي، احتجاجاً على الخروقات الإسرائيلية المستمرة لوقف إطلاق النار في جنوب لبنان وعدم التزام واشنطن بإنهاء التصعيد العسكري وفق التفاهمات الضمنية، ليرسخ معادلة ربط إقليمية بالغة الذكاء.
إيران فرضت عملياً قاعدة “أمن هرمز مقابل التهدئة الشاملة في المنطقة”، محولةً الموقف الأمريكي من “قوة إملاء” تصيغ الشروط وتفرض الإملاءات، إلى “طرف ضامن” ومراقب يسعى لكبح جماح حليفه الإسرائيلي لتأمين تدفقات الطاقة، وهذا التموضع يمنح طهران قدرة الفيتو على استقرار خطوط الملاحة الدولية، ويجعلها في موقف المبادر الذي يضبط إيقاع التفاوض وفقاً لمصالحه.
ويتجلى تراجع السقف الأمريكي صراحة عند تفحص بنود مذكرة التفاهم المؤقتة، المكونة من 14 بنداً والتي جرى صياغتها خلف الكواليس.. فالإدارة الأمريكية اضطرت لتقديم تنازلات اقتصادية وازنة، شملت الرفع الفوري للحصار البحري عن الموانئ الإيرانية، وتسهيل مبيعات النفط الخام والخدمات المصرفية المرتبطة بها لإثبات حسن النوايا، وهو ما يمثل تراجعاً جوهرياً عن المكتسبات العقابية السابقة لواشنطن.
يضاف إلى ذلك مستوى التمثيل الأمريكي رفيع المستوى في سويسرا بقيادة نائب الرئيس “جي دي فانس” ومستشارين بارزين كـ “جاريد كوشنر”، مما يعكس إدراكاً أمريكياً راسخاً بأن إيران لن تتنازل عن سيادتها بمجرد تهديدات شفهية، وهذا التمثيل يؤكد أن البيت الأبيض بات مرغماً على خوض مساومات تقنية طويلة ومعقدة تشمل الأصول المجمدة والملف النووي مقابل استقرار الممر البحري الأهم في العالم.
وفي المحصلة، تظهر هذه التطورات، أن التهديدات الأمريكية الأخيرة لم تكن تعبيراً عن فائض القوة، بل غطاء سياسي لتراجع سقف التوقعات الأمريكية أمام صلابة ومرونة الموقف الإيراني، كما أن مهلة الـ 60 يوماً المحددة لتفعيل بنود المذكرة ستكون- وفقا لمراقبين- بمثابة اختبار حقيقي لقدرة طهران على تثبيت مكاسبها الجيوسياسية، واختبار لمدى قدرة إدارة ترامب على التخلي عن لغة الإملاءات والقبول بصيغة تسوية واقعية تحمي الأسواق العالمية من شبكة انهيار اقتصادي أوسع.
وعليه يمكن القول:
لا تكمن أهمية هذه الجولة التفاوضية في تفاصيل الملف النووي أو العقوبات الاقتصادية فحسب، بل في أنها تعكس تحولاً أعمق في طبيعة العلاقة بين القوة العسكرية والقدرة على فرض الإرادة السياسية.
فبينما تمتلك الولايات المتحدة التفوق العسكري التقليدي، تبدو إيران أكثر قدرة على توظيف الجغرافيا والملفات الإقليمية لتحويل نقاط الضغط إلى أوراق تفاوضية فعالة.
ومن هنا فإن معركة هرمز لم تعد مجرد صراع على ممر مائي استراتيجي، بل أصبحت اختباراً لمستقبل التوازنات في الشرق الأوسط بأكمله. وإذا نجحت طهران في انتزاع مكاسب اقتصادية وسياسية مقابل ضمان أمن الملاحة، فإن ذلك سيؤسس لمرحلة جديدة تتراجع فيها فعالية سياسة العقوبات والتهديد العسكري لصالح مقاربات أكثر براغماتية تقوم على تبادل المصالح.
أما إذا تعثرت التفاهمات الحالية، فإن المنطقة قد تجد نفسها أمام دورة جديدة من التصعيد ستكون أسواق الطاقة العالمية أول المتضررين منها.