مع تصاعد الرفض الجنوبي لزج قواته في معارك الشمال.. “الاتحاد العام لقبائل الجنوب“ وقبائل الصبيحة تطالب بسحب أبنائها من جبهات الساحل الغربي..!
أبين اليوم – خاص
تصاعدت في المحافظات الجنوبية، خلال الأيام الأخيرة، حالة الرفض الشعبي والسياسي لعملية الدفع بالقوات الجنوبية إلى جبهات القتال في الساحل الغربي لمحافظة تعز، بالتزامن مع ارتفاع الخسائر البشرية في صفوف المقاتلين الجنوبيين المشاركين في المواجهات مع قوات صنعاء.
وأعلن ما يسمى بـ«الاتحاد العام لقبائل الجنوب» رفضه الزج بالقوات الجنوبية في أي توغل عسكري داخل المحافظات الشمالية، مؤكداً أن حماية الجنوب وتأمين حدوده والحفاظ على قواته ومقدراته يجب أن تتصدر أولويات القيادات العسكرية الجنوبية.
وطالب الاتحاد القيادات العسكرية الجنوبية بتحمل مسؤولياتها وعدم الدفع بالقوات الجنوبية إلى ما وصفها بـ«معارك خارج حدود الجنوب»، في إشارة إلى المواجهات الدائرة في الساحل الغربي لمحافظة تعز، معتبراً أن أبناء وقبائل المحافظات الشمالية هم الأولى بتحرير مناطقهم ومواجهة قوات صنعاء واستعادة أراضيهم.
وتزامنت هذه المواقف مع تصاعد المطالب الشعبية في منطقة الصبيحة بمحافظة لحج بسحب أبناء المنطقة من جبهات القتال، عقب الخسائر الكبيرة التي تكبدتها القوات المنخرطة في المعارك غربي تعز.
وأُعلن اليوم عن مقتل خمسة من أبناء الصبيحة المنضوين في «اللواء الثاني درع الوطن» خلال مواجهات في جبهة البرح غربي تعز، وهم: عز الدين الكعلولي، محمد سيف المحولي، محمد علي غانم اللسلوس، طه محمد ثابت الشمي، وشكيب الصبيحي.
وقالت مصادر محلية في الصبيحة إن المنطقة تفقد عدداً من أبنائها بشكل شبه يومي، واصفة جبهات الساحل الغربي بـ«محارق الموت»، ومؤكدة أن هذه المعارك لا تخدم أبناء المنطقة ولا ترتبط بتطلعاتهم.
وبحسب المصادر، اتسعت خلال الفترة الأخيرة الأصوات المطالبة بعودة المقاتلين الجنوبيين من تلك الجبهات، بالتزامن مع أنباء عن بدء انسحاب عشرات المقاتلين وعودتهم إلى مناطقهم، فيما أشارت إلى رسائل من صنعاء إلى المحافظات الجنوبية تؤكد عدم رغبتها في الدخول في مواجهة مباشرة معها.
وتأتي هذه التطورات في ظل تحذيرات أطلقها سياسيون جنوبيون من مخطط يستهدف القوات الجنوبية عبر استنزافها في معارك خارج نطاق الجنوب، معتبرين أن نقل هذه القوات إلى جبهات الشمال قد يحولها إلى وقود لحرب لا تخدم مصالحها المباشرة.
وفي السياق ذاته، انتقد ناشطون جنوبيون السياسة السعودية تجاه القوات الجنوبية، ولا سيما قوات المجلس الانتقالي، معتبرين أن الرياض ورشاد العليمي يدفعان بهذه القوات نحو جبهات الشمال، بينما يمنعانها من التحرك داخل مناطق جنوبية تعتبرها القوى الجنوبية جزءاً من مشروعها السياسي والعسكري.
وتداول ناشطون صورة تختزل هذا التناقض، بحسب تعبيرهم، في معادلة مفادها أن المقاتل الجنوبي يصبح «مقاتلاً مشروعاً» عندما يُدفع إلى جبهات الساحل الغربي، بينما يتحول إلى «متمرد» عندما يتحرك داخل الجنوب، في إشارة إلى الصدامات السابقة بين القوات الجنوبية والقوى المدعومة من السعودية.
واعتبر ناشطون أن الرياض تسعى من خلال هذه السياسة إلى تحقيق هدفين في وقت واحد؛ أولهما استنزاف قوات المجلس الانتقالي في معارك الشمال، وثانيهما الإبقاء على قوات موالية لها في الجنوب ومنع الانتقالي من توسيع نفوذه جنوباً.
من جانبه، قال الصحفي ورئيس مؤسسة اليوم الثامن الإعلامية صالح أبو عوذل إن السعودية حاولت خلال الأيام الماضية تقديم الصراع مع قوات صنعاء باعتباره صراعاً مذهبياً وطائفياً، عبر التركيز على هوية الحوثيين الزيدية، معتبراً أن الصراع في جوهره ليس مذهبياً.
ورفض أبو عوذل الدعوات السعودية لدفع أبناء الجنوب إلى جبهات المخا، قائلاً إن من يقاتل هناك «يدافع عن مصالح السعودية فقط»، مضيفاً أنه لا يرى مشروعية لأي حرب ما لم تقرر قوات صنعاء اقتحام الجنوب، وعندها يكون من حق الجنوبيين الدفاع عن أرضهم، ولكن «من دون وجود أي دور سعودي».
وطرح أبو عوذل قاعدة تلخص، وفق رؤيته، موقفاً متنامياً داخل الأوساط الجنوبية الرافضة للدخول في الحرب وفق أجندة خارجية، بالقول: «لا تقاتل مع السعودي ولا تدع السعودي يقاتل معك».
ويأتي ذلك فيما يتهم سياسيون وناشطون جنوبيون السعودية باتباع سياسة مزدوجة تجاه القوات الجنوبية؛ إذ أشاروا إلى أن الرياض شجعت تلك القوات على المشاركة في معارك الساحل الغربي، بينما سبق أن تعاملت معها كقوة متمردة عندما تحركت عسكرياً داخل محافظات الجنوب.
واستحضر هؤلاء ما شهدته حضرموت مطلع العام الجاري من مواجهات وقصف جوي سعودي استهدف قوات جنوبية تقدمت في المحافظة، مشيرين إلى أن تلك القوات وُصفت حينها بأنها تنفذ أجندات معادية، في حين يجري حالياً تقديم مقاتلين جنوبيين إلى جبهات الشمال باعتبارهم قوة مقاتلة في مواجهة قوات صنعاء.
تحليل:
إن ما تكشفه وقائع المشهد ليس مجرد تناقض في السياسات، بل هو انكشافٌ صريح لمنظومة استغلالٍ ممنهج تتعامل مع الجسد الجنوبي كوقودٍ قابل للاحتراق في جبهات الشمال، بينما يُجرَّم هذا الجسد نفسه ويُستهدف من الجو متى تحرك وفق بوصلته الوطنية الخاصة.
فالسعودية التي تصنّف المقاتل الجنوبي “مجاهداً” حين يُقتل دفاعاً عن حدودها ومصالحها في الساحل الغربي، هي ذاتها التي تصنّفه “صهيونياً” حين يتقدم نحو حضرموت ليؤمّن عمقه الاستراتيجي.
هذه الازدواجية ليست ارتباكاً دبلوماسياً، بل هي بنيةٌ استعمارية مقصودة تهدف إلى إبقاء الجنوب خزاناً بشرياً مفتوحاً للاستنزاف، وشريكاً ممنوعاً من امتلاك قراره السيادي، وقوةً يُسمح لها بأن تموت خارج أرضها ويُحظر عليها أن تحيا داخلها.
والأخطر من ذلك أن هذا النهج السعودي لا يكتفي باستنزاف الحاضر، بل يراهن على إعادة إنتاج الجنوب ككيانٍ تابعٍ بلا ذاكرةٍ سياسية مستقلة، حيث يُعاد تعريف وجوده العسكري وفقاً لاحتياجات الرياض المرحلية: فمرةً يكون درعاً بشرياً ضد الحوثيين، ومرةً يكون ورقة ضغطٍ على الإمارات، ومرةً يُترك لقصف الطائرات كي لا يتمدد خارج الإطار المرسوم له.
لكن الدماء المتصاعدة في الصبيحة ولحج لم تعد مجرد خسائر عسكرية، بل تتحول إلى وعيٍ شعبي متصاعد يدرك أن المعركة الحقيقية ليست مع صنعاء، بل مع مشروعٍ إقليمي يستثمر في تقسيم اليمنيين وتوظيف فصائلهم في حروبٍ لا تصنع لهم دولةً ولا تحفظ لهم سيادة، بل تعمّق تبعيتهم وتؤجل استحقاقاتهم الوطنية.
إن اللحظة الراهنة تضع النخب الجنوبية أمام اختبارٍ وجودي: فإما أن تتحول هذه الدماء إلى رأس مالٍ سياسي يفرض معادلةً جديدة عنوانها “لا قتال خارج الجنوب إلا بقرارٍ جنوبيٍّ يحمي الجنوب”، وإما أن يستمر النزيف حتى يكتمل مشروع التفريغ الديموغرافي والعسكري للقوى الجنوبية لصالح أجنداتٍ لا علاقة لها بقضية شعبٍ يطالب باستعادة أرضه وهويته.
والثمن هذه المرة لن تدفعه القيادات في الغرف المغلقة، بل سيدفعه شبابٌ تُحرق أرواحهم في جبهاتٍ لا تعنيهم، بينما يتفرج صانعو القرار الإقليميون على خريطةٍ جديدةٍ تُرسم بدماء الجنوبيين لا بحبر اتفاقياتهم.