“مقالات“| طاعة الله أن تخدم أمته..!

5٬995

أبين اليوم – خاص 

بقلم/ شبلي الشبلي:

إن الأمم لا تبنى بالشعائر المعزولة عن واقع الحياة، ولا بالخطط المكتوبة على ورق لا تلامس نبض الشارع. إن الجسر الحقيقي الذي يربط الأرض بالسماء، ويحيل الإيمان إلى طاقة إعمار وتغيير، يتلخص في تلك المعادلة الحضارية العميقة التي صاغها المفكر والسياسي والمحامي فيصل الخليفي في كلمتين اختصرتا جوهر الرسالة: “طاعة الله أن تخدم أمته”.

هذه العبارة ليست مجرد لفتة بلاغية، بل هي دستور عمل واشتباك إيجابي مع الواقع، وهي النداء المشترك الذي يجب أن يلتقي عنده اليوم: الشعب بآماله وطاقاته، والقيادة برؤيتها ومسؤوليتها.

إلى أبناء هذا الشعب العظيم:

إن الإيمان الصادق ليس انكفاءً على الذات، ولا زُهداً يورث السلبية والاتكال. إن طاعتكم لله تتجلى في أبهى صورها عندما يتحول كل فرد منكم إلى لبنة بناء في جسد هذه الأمة؛ تحقيقاً لقوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}.

المعلم في فصله، والطبيب في عيادته، والمزارع في حقله، والصانع في معمله؛ كلهم في محراب عبادة إذا استشعروا أن عملهم هو ثغرة يحمون بها أمتهم من الجهل والجهد والمرض. إن النفع المتعدي هو ذروة التدين، مصداقاً لقول الرسول ﷺ: «أحبُّ الناسِ إلى اللهِ أنفعُهم للناسِ»، وبقاء الأثر النافع في الأرض هو المقياس الحقيقي لخيرية هذه الأمة التي وصفها الله بقوله: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}.

إلى قيادتنا وصناع القرار:

إن عظمة القيادة لا تقاس بحجم السلطة، بل بحجم الخدمة والتسهيل الذي تقدمه للأمة؛ فالرسول ﷺ يقول: «سيدُ القومِ خادمُهم». إن تمكين الطاقات، وبناء المؤسسات المستدامة، ومحاربة الفساد، هي صلب الأمانة الاستخلافية التي طوق الله بها أعناقكم، تذكيراً بالمسؤولية العظمى في الحديث الشريف: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ».

إن خدمة الأمة من موقع القيادة تعني الانتقال من “الفزعات المؤقتة” إلى “المأسسة والتخطيط الاستراتيجي” الذي يضمن عزة الأمة، ويكفل كرامة أبنائها، ويوفر لهم البيئة الخصبة للإبداع والإنتاج، ليبقى الأثر راسخاً كما قال سبحانه: {فأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ}.

الملتقى بين القيادة والشعب:

حين يدرك الشعب أن العمل المخلص والخدمة المجتمعية هما أعلى درجات الطاعة، وحين تؤمن القيادة أن تذليل العقبات وفتح آفاق البناء هو أسمى واجبات الاستخلاف؛ تذوب الفجوات، وتتحطم معوقات الفردية والانكفاء الاستهلاكي.

عندئذٍ فقط، يتكامل العطاء الفردي مع التمكين المؤسسي، ولن يحرم الجميع من التوفيق الإلهي، فالقاعدة النبوية ثابتة: «واللهُ في عونِ العبدِ ما كان العبدُ في عونِ أخيه».

لتكن لغتنا اليوم هي لغة الإنتاج، ولتكن طاعتنا لربنا هي بلسماً نداوي به جراح أمتنا، ونستخرج بها السنابل ونبني بها العقول؛ فكل جهد يُبذل في خدمة هذه الأمة هو خطوة نحو نهضتها وشهودها الحضاري بين الأمم.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com