“تقرير“| كيف تحول السعودية “حرب الخدمات“ إلى أداة للصراع في جنوب اليمن..!
أبين اليوم – تقارير
منذ عام 2016، دخلت المحافظات الجنوبية والشرقية من اليمن، وفي مقدمتها عدن، مرحلة متراكمة من الأزمات الاقتصادية والخدمية والأمنية، ترافقت مع إعادة تشكيل موازين القوى المحلية وتعدد مراكز النفوذ الإقليمية. ومع مرور السنوات، لم تعد أزمة الكهرباء أو الغاز أو المرتبات مجرد ملفات خدمية منفصلة، بل أصبحت جزءاً من بيئة سياسية واقتصادية أكثر تعقيداً، تتداخل فيها قرارات الحكومة المحلية مع نفوذ القوى الإقليمية والفصائل المسلحة وشبكات المصالح الاقتصادية.
أولاً: عقد من الانهيار.. من الوعود إلى أزمة بنيوية:
أفرزت الحرب التي اندلعت عام 2015 اقتصاداً يمنياً شديد الانقسام، وانعكست آثارها بصورة حادة على المناطق الجنوبية التي أصبحت لاحقاً خاضعة بدرجات متفاوتة لنفوذ الحكومة المدعومة من السعودية والإمارات. وتراكمت خلال السنوات التالية أزمات العملة، وتراجع القوة الشرائية، وتأخر الرواتب، وضعف الإيرادات العامة، وتدهور قطاعات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم.
وفي عدن تحديداً، أصبح تراجع الخدمات الأساسية أحد أبرز مؤشرات فشل السلطات المتعاقبة في بناء نموذج حكم مستقر. فالكهرباء، التي يفترض أن تكون خدمة عامة أساسية، تحولت إلى ملف سياسي واقتصادي دائم، بينما ارتبط توفير الوقود لمحطات التوليد بقدرة السلطات على تأمين التمويل والإمدادات، في ظل أزمة مالية خانقة.
ولا يمكن، من الناحية التحليلية، اختزال هذا الانهيار بالكامل في قرار سعودي واحد أو في «مؤامرة» واحدة؛ فهناك عوامل داخلية عميقة، من الفساد وضعف المؤسسات وتعدد السلطات إلى الحرب وتراجع الإيرادات والانقسام النقدي. لكن في المقابل، فإن النفوذ السعودي والإماراتي في بنية السلطة والأمن والاقتصاد يجعل من المشروع بحث كيفية توظيف هذه الأزمات ضمن الصراع السياسي.
ثانياً: الخدمات كأداة نفوذ سياسي:
تكمن خطورة ما يسميه الخطاب الجنوبي «حرب الخدمات» في أن المواطن العادي يصبح الطرف الأكثر تعرضاً لنتائج الصراع بين القوى السياسية.
فحين تتراجع الكهرباء، وتتقطع المرتبات، ويصعب الحصول على الغاز والمياه والخدمات الصحية والتعليمية، لا يعود المواطن يتعامل مع الأزمة باعتبارها مؤشراً اقتصادياً مجرداً، وإنما باعتبارها دليلاً على فشل السلطة القائمة. وفي البيئات الهشة، يمكن لهذا الفشل أن يتحول إلى وسيلة ضغط سياسي بالغة الفاعلية.
وتذهب الرواية المناهضة للرياض إلى أن السعودية استخدمت نفوذها على السلطات المحلية وعلى شبكات التمويل والقرار السياسي للضغط على الشارع الجنوبي، ودفعه تدريجياً نحو قبول ترتيبات سياسية وأمنية محددة.
غير أن إثبات وجود سياسة سعودية مركزية متعمدة لإحداث كل أزمة خدمية يتطلب أدلة مباشرة على سلسلة القرار: من أصدر القرار؟ ومن نفذه؟ وما المصلحة السياسية المباشرة منه؟ ولذلك فإن الأدق في التوصيف البحثي هو الحديث عن إمكانية توظيف الأزمات الخدمية كأداة ضغط، لا اعتبار كل انقطاع أو نقص نتيجة مباشرة لأمر سعودي.
ثالثاً: إعادة تشكيل الخريطة العسكرية:
تزامن الانهيار الخدمي مع إعادة تشكيل مستمرة للقوى العسكرية والأمنية في الجنوب.
فالسعودية عملت خلال السنوات الأخيرة على بناء أو دعم تشكيلات عسكرية وأمنية موازية، وفي مقدمتها قوات «درع الوطن»، إلى جانب ترتيبات لإعادة دمج وهيكلة الفصائل المحلية. وفي المقابل، احتفظ المجلس الانتقالي الجنوبي ببنية عسكرية وأمنية واسعة، خصوصاً في عدن والضالع وأجزاء من أبين وشبوة وحضرموت.
وهنا تظهر إحدى أهم معادلات الصراع: من يملك القوة العسكرية يملك قدرة أكبر على فرض القرار السياسي.
ولهذا فإن الحديث عن «الدمج والهيكلة» لا يتعلق فقط بإعادة تنظيم المؤسسات الأمنية، بل يرتبط بصورة أوسع بالسؤال حول مستقبل القوة العسكرية الجنوبية: هل تبقى موزعة بين فصائل ذات ولاءات سياسية مختلفة، أم يجري وضعها تحت قيادة واحدة مرتبطة بالسلطة المركزية وحلفائها الإقليميين؟
ومن منظور الرياض، يمكن فهم الدفع باتجاه الهيكلة باعتباره محاولة لتوحيد القرار العسكري ومنع نشوء قوة جنوبية مستقلة تماماً عن نفوذها. أما من منظور الانتقالي وأنصاره، فإن العملية يمكن تفسيرها باعتبارها محاولة لتفكيك مصادر قوته وإعادة توزيع النفوذ العسكري لمصلحة خصومه.
رابعاً: معركة عدن.. المدينة بوصفها مركز الصراع:
لا تكمن أهمية عدن في كونها العاصمة المؤقتة للحكومة المدعومة إقليمياً فحسب، وإنما في كونها مركزاً تتقاطع فيه السياسة والأمن والاقتصاد والموانئ والنفوذ الخارجي.
السيطرة على عدن تعني القدرة على التأثير في مؤسسات الحكومة، والمطار والميناء، والموارد المالية، وشبكات التعيين، والأجهزة الأمنية، والشارع السياسي.
ولهذا فإن الصراع السعودي مع القوى الجنوبية لا يمكن فصله عن الصراع على نموذج السلطة الذي ستنتجه التسوية السياسية المقبلة.
فالرياض تريد، وفق القراءة الأقرب إلى سلوكها السياسي، سلطة يمنية جنوبية يمكن التحكم بتوازناتها من خلال شبكة من القوى المحلية، بدلاً من ظهور طرف جنوبي واحد يمتلك القوة العسكرية والتمثيل السياسي ويستطيع التفاوض معها من موقع مستقل.
وفي المقابل، يسعى الانتقالي إلى الحفاظ على أكبر قدر ممكن من الاستقلال العسكري والسياسي، باعتبار أن تفكيك بنيته العسكرية سيضعف قدرته على فرض مشروعه السياسي في أي مفاوضات مستقبلية.
خامساً: الغاز والكهرباء والمرتبات.. ثلاثية الضغط الاجتماعي:
تكتسب أزمات الغاز والكهرباء والمرتبات أهمية خاصة لأنها تمس الحياة اليومية بصورة مباشرة.
أزمة الغاز، على سبيل المثال، لا تتوقف آثارها عند ارتفاع السعر أو صعوبة الحصول على أسطوانة؛ فالطوابير الطويلة تعكس انهيار آلية التوزيع، وتزيد من الاحتقان الشعبي، بينما يصبح المواطن مضطراً إلى البحث عن حلول بديلة في اقتصاد يعاني أصلاً من انهيار القوة الشرائية.
والأمر ذاته ينطبق على الكهرباء. فالساعات الطويلة من الانقطاع تعني عملياً تعطيل الحياة الاقتصادية، وإلحاق أضرار بالمستشفيات والمحال التجارية والورش والمنازل، وزيادة كلفة المعيشة على الأسر.
أما المرتبات، فهي الأداة الأكثر حساسية؛ لأن الموظف الذي لا يحصل على دخله بصورة منتظمة يتحول من مواطن يعاني من أزمة اقتصادية إلى شخص يبحث عن أي مصدر دخل بديل، بما في ذلك الالتحاق بالتشكيلات العسكرية. وهنا تبرز أخطر حلقات المعادلة.
سادساً: التجنيد بوصفه نتيجة للأزمة الاقتصادية:
حين تنهار القوة الشرائية وتتوقف المرتبات وتتراجع فرص العمل، يصبح الراتب العسكري أحد الخيارات القليلة المتاحة أمام الشباب.
وهذا يجعل الأزمة الاقتصادية عاملاً مساعداً في إعادة تشكيل الخريطة العسكرية.
وتذهب الرواية المناهضة للسعودية إلى أن الرياض تستفيد من هذه البيئة لتجنيد آلاف الشباب ضمن تشكيلات جديدة، بعضها يرتبط بقيادات سلفية، بهدف بناء قوة موازية للمجلس الانتقالي، خصوصاً بعد تزايد رفض بعض فصائل الانتقالي المشاركة في عمليات عسكرية شمالاً لا ترى أنها تخدم القضية الجنوبية.
وبغض النظر عن صحة حجم هذه العملية أو تفاصيلها، فإن العلاقة بين الفقر والتجنيد ثابتة في تجارب النزاعات المسلحة: كلما تقلصت البدائل الاقتصادية، أصبح الانضمام إلى تشكيل مسلح أكثر جاذبية، خصوصاً إذا كان يوفر راتباً منتظماً ومكانة اجتماعية وحماية.
ومن هنا فإن استمرار تدهور الخدمات لا يحمل كلفة اجتماعية فقط، بل يمكن أن يتحول إلى استثمار عسكري وسياسي في إعادة إنتاج القوى المسلحة.
سابعاً: من إضعاف الانتقالي إلى إعادة توزيع النفوذ:
الهدف الاستراتيجي الأوسع، وفق هذه القراءة، ليس مجرد معاقبة الانتقالي، وإنما منع احتكاره للمشهد الجنوبي.
فوجود قوة جنوبية كبيرة ذات قاعدة شعبية وبنية عسكرية مستقلة يحد من قدرة الرياض على التحكم بمسار التسوية.
ولهذا تبدو عملية بناء تشكيلات منافسة، وإعادة هيكلة القوات القائمة، وربط التمويل بالولاء السياسي، وإعادة توزيع المناصب، كلها أجزاء محتملة من استراتيجية واحدة: إعادة توزيع القوة بحيث لا يستطيع طرف جنوبي واحد فرض شروطه على الآخرين أو على الراعي الإقليمي.
وهنا يصبح الاقتصاد جزءاً من المعركة السياسية، وليس ملفاً منفصلاً عنها.
ثامناً: حضرموت والمهرة.. البعد الجيوسياسي للصراع:
يتجاوز الصراع عدن والضالع إلى حضرموت والمهرة، وهما منطقتان تتمتعان بأهمية استراتيجية واقتصادية استثنائية.
حضرموت تحتوي على جزء مهم من الموارد النفطية اليمنية، فيما تمتلك المهرة موقعاً جغرافياً بالغ الحساسية على بحر العرب وحدوداً مباشرة مع سلطنة عُمان.
ولهذا فإن أي إعادة ترتيب للقوى العسكرية والسياسية في هاتين المحافظتين لا يمكن تفسيرها فقط باعتبارات الأمن المحلي.
إنها ترتبط أيضاً بمسألة السيطرة على الموارد والمنافذ والطرق والموانئ وممرات التجارة، وبمستقبل شكل الدولة اليمنية نفسها.
ومن هنا يمكن فهم الحساسية السعودية العالية تجاه أي ترتيبات تمنح الانتقالي أو قوى محلية أخرى قدرة مستقلة على التحكم بمناطق الشرق اليمني.
تاسعاً: نقطة التحول الأخطر.. انتقال الاحتقان إلى المطالبة بالمواجهة:
الخطر الحقيقي لا يكمن في استمرار انقطاع الكهرباء أو ارتفاع أسعار الغاز وحدهما، وإنما في إمكانية تحول الاحتقان الاقتصادي إلى صراع سياسي وأمني.
فعندما يشعر السكان بأن الأزمات أصبحت جزءاً دائماً من حياتهم، وأن السلطة غير قادرة أو غير راغبة في معالجتها، تتحول المطالب من تحسين الخدمات إلى المطالبة بتغيير السلطة نفسها.
وإذا اقترنت هذه المطالب بخطاب سياسي يدعو إلى مواجهة النفوذ الخارجي، فإن الاحتجاج الاجتماعي يمكن أن يتحول تدريجياً إلى تعبئة سياسية، ثم إلى صدامات ميدانية.
ولهذا فإن ظهور دعوات تتحدث عن «الكفاح المسلح» ضد الوصاية السعودية يمثل مؤشراً بالغ الخطورة؛ لأنه يعني أن الصراع لم يعد محصوراً في التنافس بين النخب والفصائل، وإنما بدأ يلامس مستوى أوسع من التعبئة الشعبية.
عاشراً: السيناريوهات المحتملة:
يمكن تحديد ثلاثة مسارات رئيسية للمشهد خلال المرحلة المقبلة:
الأول: الاحتواء السعودي: تسعى الرياض إلى احتواء الانتقالي عبر المال والمناصب وإعادة توزيع النفوذ، مع تقديم تنازلات محدودة في ملف الخدمات لمنع انفجار شعبي واسع.
الثاني: التصعيد الداخلي: تفشل عملية الاحتواء، فيتصاعد الصراع بين الفصائل المدعومة من السعودية والفصائل المحسوبة على الانتقالي، خصوصاً في المناطق ذات القيمة الاستراتيجية مثل عدن وحضرموت والضالع.
الثالث: تحول الأزمة الخدمية إلى حركة احتجاج سياسية واسعة: وهو السيناريو الأكثر خطورة، إذ يمكن أن تتداخل فيه المطالب المعيشية مع المطالب السيادية، بحيث يصبح شعار تحسين الخدمات مرتبطاً مباشرة برفض النفوذ الخارجي.
الخلاصة:
بعد أكثر من عقد على الحرب، لم يعد السؤال في جنوب اليمن مقتصراً على من يسيطر على عدن؟ بل أصبح: من يملك القدرة على التحكم بالاقتصاد والخدمات والقوة العسكرية والقرار السياسي في الجنوب؟
ومن هذه الزاوية، تبدو «حرب الخدمات» جزءاً من معركة أوسع على إعادة تشكيل السلطة. غير أن تحميل السعودية وحدها مسؤولية كل مظاهر الانهيار سيكون تبسيطاً لمشهد شديد التعقيد؛ فالحرب، والانقسام المؤسسي، والفساد، والصراع بين القوى المحلية، والتدخلات السعودية والإماراتية، كلها عوامل متشابكة.
لكن المؤشر الأكثر خطورة هو أن الأزمة المعيشية بدأت تتحول إلى أداة لإعادة إنتاج الاصطفافات العسكرية والسياسية. فالمواطن الذي يفقد راتبه، ويبحث عن الغاز، وينتظر الكهرباء، ويعجز عن تأمين احتياجات أسرته، يصبح أكثر عرضة للضغط والاستقطاب.
وبذلك تصبح المعادلة في جنوب اليمن أكثر تعقيداً من مجرد صراع على الخدمات: إنها معركة على الإنسان نفسه، وعلى ولائه، وعلى القوة التي سيمتلكها الجنوب في أي تسوية سياسية قادمة. وإذا استمر استخدام الاقتصاد والخدمات كسلاح في الصراع، فإن النتيجة المرجحة لن تكون الاستقرار، وإنما إنتاج دورة جديدة من الاحتقان والتجنيد والعنف، بما يجعل الجنوب أكثر هشاشة وأقل قابلية لأي تسوية سياسية مستقرة.