“تقرير“| صنعاء تحتفي بالمولد النبوي والرياض تحتفل باليوم العالمي للكلاب.. انبطاح إعلامي أم انسلاخ عن الهوية..!
أبين اليوم – خاص
لم يعد الأمر مجرد خبر عابر عن “اليوم العالمي للكلاب” تنشره وسائل إعلام سعودية، بل هو شهادة إدانة مدوّية على انهيار المعايير التي حكمت الخطاب الرسمي للمملكة لعقود. فبينما تُصادر السعودية حق ملايين المسلمين في الاحتفاء بمولد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وتُغلّظ التحريم حتى يصل إلى حد التكفير والتشويه، تفتح أبوابها على مصراعيها لمناسبات وافدة لا تمتّ للإسلام بصلة، وكأن المطلوب ليس حماية الدين من “البدع”، بل تصفية الدين نفسه من أي حضور يزاحم بريق “الانفتاح” المزعوم على الغرب.
المفارقة ليست مجرد تناقض عابر في السياسات، بل هي مشروع ممنهج لإعادة تعريف المقدس والمدنس في الوجدان السعودي. فمنظمة رسمية ظلت لعقود تقدم نفسها حارسة للتوحيد وخصماً شرساً لكل ما يتصل بالمولد النبوي، تتحول اليوم إلى منصة ترويجية لأنماط احتفالية دخيلة، تُصنّف تحت مسميات براقة مثل “الترفيه” و”جودة الحياة”.
ما كان يُحرَّم بالأمس باسم “البدعة” صار اليوم يُحتفى به باسم “الانفتاح”، وما كان يُقدَّم باعتباره التزاماً دينياً صارماً بات يُسحق تحت عجلات التحول الثقافي الموجَّه من أعلى السلطة. إنها ليست مراجعة فقهية، بل انتهازية سياسية تلبس ثوب الحداثة لتبرير الانسلاخ عن الثوابت.
والأشد إيلاماً أن هذا الانقلاب القيمي لا يقف عند حدود إعادة رسم الأولويات، بل يصل إلى حد احتقار الذاكرة الجمعية للمجتمع السعودي ذاته. فبينما تُسخَّر الميزانيات الضخمة لاستقدام نجوم الغناء والرقص وتنظيم فعاليات لا علاقة لها بثقافة المنطقة، يُمنع المسلم السعودي من الاحتفاء بذكرى من هو أحبّ إليه من نفسه، بحجة فتاوى ما زالت ذاتها التي حرّمت الاحتفال، بينما يُسمح بترويج مناسبة لا تعني للمجتمع سوى تذكيره بحجم التغريب الذي يجرّونه إليه.
هذا ليس انفتاحاً، بل انبطاح مكشوف أمام النموذج الغربي، يُدار بمنطق “أهلاً بكل ما هو غربي، وعيباً على كل ما هو إسلامي”.
وفي مقابل هذا العبث السعودي، تقف صنعاء كأنها تعيد كتابة معادلة الكرامة من تحت ركام الحرب والحصار. فاليمنيون، وهم يخرجون بالملايين في مشاهد لا مثيل لها، يثبتون أن الإيمان لا يُشترى بميزانيات الترفيه، وأن حب النبي لا يُلغى بقرار رسمي. تتزين المدن اليمنية بالأخضر بينما تلبس المدن السعودية أزياء التغريب، وتصدح الحناجر اليمنية بمديح الرسول بينما تتراقص المنصات السعودية على إيقاعات مستوردة.
الفارق ليس بين الاحتفال وعدمه فحسب، بل بين شعب اختار نبيّه على كل المغريات، ونظام اختار سراب الحداثة على حساب دينه وهويته.
الخلاصة: السعودية لا تواجه أزمة “فتوى” أو “اجتهاد”، بل تواجه أزمة مشروع سياسي انقلب على مرجعيته الدينية، ويستخدم أدواته الإعلامية لتلميع هذا الانقلاب وتمريره باعتباره تطوراً.
وما يحدث ليس صراعاً بين التقليد والتحديث، بل بين الانتماء والاستلاب. وبينما تبقى صنعاء شاهداً على أن الفقر لا يقتل الإيمان، تتحول الرياض إلى مختبر لاختبار قدرة المال على محو الذاكرة. والنتيجة التي لا يمكن تجاهلها: النظام السعودي يراهن على أن شعبه سينسى نبيّه إن أُلهي بالكلاب والترفيه، لكن التاريخ سيُثبت أن الشعوب التي تُسلب منها رموزها المقدسة لا تموت، بل تنفجر.
وعليه يمكن القول:
إن ما يجري في السعودية ليس انفتاحاً ولا تحديثاً كما يُروَّج له، بل هو انقلاب صامت على المرجعية الدينية ذاتها، يُمارَس وفق منطق انتقائي مكشوف: تُهان المقدسات بحجة محاربة البدع، بينما تُقدَّس التفاهات بحجة مواكبة العصر.
فعندما يتحول “اليوم العالمي للكلاب” إلى مناسبة تستحق الترويج الإعلامي، بينما يظل مولد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مناسبة محظورة تستدعي التحريم والتحذير، فإن الرسالة الضمنية التي تصل إلى كل مسلم هي أن الانتماء إلى العالم الغربي وقيمه صار أعلى في سلم الأولويات من الانتماء إلى الدين وهوية الأمة.
هذه ليست ازدواجية معايير فحسب، بل هي إعادة تعريف صريحة لما هو مقدس وما هو مدنس، وفق ما تمليه المصالح السياسية لا الضوابط الشرعية.
والأخطر من ذلك أن هذا التحول لا يحدث بوصفه انزياحاً عفوياً في ذائقة المجتمع، بل يُدار من أعلى الهرم بوصفه مشروعاً رسمياً لإعادة هندسة الوعي الجمعي، تُسخَّر له المؤسسات الإعلامية والمالية والترفيهية، بينما تُكمَّم الأفواه التي تعترض على هذا الانحراف عن الثوابت.
لقد تحولت “الحداثة” السعودية إلى آلة لتبييض المستورد وتشويه الموروث، فما كان حراماً بالأمس صار اليوم فعلاً رسمياً يُحتفى به، وما كان من صميم الهوية الإسلامية صار يُقدَّم باعتباره تخلفاً ورجعية.
وبهذا المنطق المقلوب، لم يعد الدين هو البوصلة التي تضبط إيقاع الحياة العامة، بل صار تابعاً لإملاءات التحول السياسي وموازيناته، يُستدعى حين يخدم الصورة، ويُقصى حين يتعارض مع أجندة الانفتاح على الغرب.
أما المفارقة الكبرى فتبقى في أن اليمن، المنهك بالحرب والحصار، المحروم من أبسط مقومات الحياة، يقدم للعالم الإسلامي نموذجاً شعبياً صادقاً في تعظيمه للنبي الكريم، تتحول فيه الميادين إلى بحار بشرية تتدفق حباً وانتماءً، دون توجيه رسمي أو ميزانيات إعلامية ضخمة.
وهنا يتجلى العجز السعودي الفادح عن فهم طبيعة المجتمعات الإسلامية التي لا تُشترى ولاءاتها بالترفيه ولا تُعاد صياغة قناعاتها بالمناسبات المستوردة. فما يبنيه النظام السعودي اليوم، بكل ما يملكه من مال وإعلام، هو صورة بلاستيكية لـ”إسلام” بلا محمد، ودين بلا قداسة، ومجتمع بلا ذاكرة، بينما يبقى المولد النبوي في صنعاء شاهداً حياً على أن الجماهير حين تُترك لحريتها تختار نبيها على كل كنوز الأرض.