“شبوة“| باتفاق مع فرنسا.. السعودية تستعد للاستحواذ على كبرى منشآت الغاز اليمنية..!
أبين اليوم – خاص
كشفت حكومة عدن، الاثنين، عن صفقة سعودية ـ فرنسية بشأن منشأة بلحاف، كبرى منشآت إنتاج الغاز المسال في اليمن، بالتزامن مع بدء السعودية ترتيبات ميدانية للسيطرة على المنشأة الواقعة في محافظة شبوة.
ودفعت السعودية خلال الساعات الأخيرة بتعزيزات عسكرية كبيرة إلى شبوة، إحدى أبرز معاقل النفوذ الإماراتي سابقاً، حيث أفادت مصادر محلية بوصول قوات مزودة بمدرعات عبر منطقة العبر، وتمركزها في معسكر مَرّة على تخوم مدينة عتق.
وبحسب المصادر، تستعد القوات الجديدة للانتشار في منشأة بلحاف على ساحل بحر العرب، في خطوة تبدو تمهيداً لإحكام السيطرة على المنشأة التي كانت القوات الإماراتية قد اتخذتها قاعدة عسكرية لها خلال السنوات الماضية.
وتأتي التحركات السعودية عقب تفاهمات مع الجانب الفرنسي بشأن مستقبل المنشأة، حيث أوضحت مصادر في حكومة عدن أن بلحاف كانت على رأس أجندة زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى باريس الأسبوع الماضي، وأن الزيارة أفضت إلى اتفاق بين الرياض وباريس بشأن استلام السعودية للمنشأة.
وتشغل شركة “توتال” الفرنسية منشأة بلحاف، التي تعد أكبر منشأة لإنتاج الغاز المسال في اليمن، وكانت خلال الفترة الماضية تحت الحماية المباشرة للقوات الإماراتية، قبل أن تبدأ الرياض أخيراً تحركات لإعادة ترتيب السيطرة عليها.
وسبق التحرك العسكري السعودي استدعاء محافظ شبوة المحسوب على الإمارات، مع تهديده بالإقالة، في محاولة للضغط عليه لدفع الفصائل التي لا تزال متمركزة داخل المنشأة إلى الانسحاب من دون الدخول في مواجهة عسكرية.
ورغم إعلان شبوة استسلامها مع بدء الحملة العسكرية ضد الفصائل المحسوبة على الإمارات مطلع العام، بقيت المحافظة خارج نطاق الانتشار السعودي الواسع، باستثناء وجود محدود في مدينة عتق، قبل أن تبدأ الرياض أخيراً بإرسال تعزيزات كبيرة باتجاه المحافظة.
ويشير انتقال القوات السعودية من عتق باتجاه بلحاف إلى توجه الرياض لحسم ملف المنشأة، خصوصاً في ظل التفاهمات المستجدة مع فرنسا، وسط غموض بشأن طبيعة الصفقة وما إذا كانت تستهدف فقط تجاوز النفوذ الإماراتي في المنشأة، أم أنها جزء من مشروع سعودي أوسع للاستحواذ على قطاعات النفط والغاز في شرق اليمن.
وتأتي هذه الخطوة في سياق توسع النفوذ السعودي على القطاعات النفطية في شبوة، بالتزامن مع إحكام السيطرة على منشآت ومناطق نفطية في حضرموت المجاورة، بما يعزز مؤشرات توجه الرياض نحو وضع الموارد النفطية والغازية في المحافظات الشرقية تحت إدارتها المباشرة.
ويكشف استبعاد حكومة عدن من التفاهم السعودي ـ الفرنسي، وفق المصادر، عن حجم تهميش الأطراف اليمنية الموالية للرياض نفسها في الملفات المرتبطة بالثروات السيادية، إذ جرى بحث مستقبل واحدة من أهم منشآت الطاقة اليمنية بين دولتين أجنبيتين، بينما بقيت الحكومة المعترف بها دولياً خارج دائرة القرار.
كما أن السيطرة السعودية على بلحاف، في حال اكتمالها، ستعني انتقال واحدة من أهم المنشآت الاستراتيجية في اليمن من دائرة النفوذ الإماراتي إلى النفوذ السعودي، بما يعيد رسم خارطة السيطرة على موارد الطاقة في جنوب وشرق البلاد.
تحليل:
إن ما يجري في بلحاف ليس إعادة تموضع عسكري عابر، بل هو استباحة مكشوفة لسيادةٍ يمنية أنهكها الغياب، حيث تتحول المنشآت الاستراتيجية إلى غنائم تُقتسم في غرف مغلقة بين باريس والرياض، بينما تقف “الشرعية” اليمنية عند أبواب القرار كمتسولة تنتظر فتات التفاهمات.
لقد تجاوزت الصفقة السعودية-الفرنسية منطق التفاوض مع حكومة عدن، لتكشف أن ملف الطاقة اليمني لم يعد خاضعاً لأصحابه، بل صار ورقة مساومة بين عواصم إقليمية وأوروبية تتنازع النفوذ على جسد دولةٍ مُعلّقة بين الحرب والنسيان.
والأخطر من تبادل الأدوار بين أبوظبي والرياض أن بلحاف تتحول من منشأة غاز مسال إلى رمزٍ لمرحلة جديدة من الاستعمار الاقتصادي المقنّع، حيث تُدار الثروات السيادية وفق أجندات خارجية لا تمت لليمنيين بصلة، وتُحسم خرائط السيطرة وفق ميزان المصالح الفرنسية السعودية لا وفق أي منطق وطني.
إن إقصاء حكومة عدن من مفاوضات تقرير مصير أكبر منشأة طاقة في البلاد ليس تهميشاً عابراً، بل إعلان رسمي بأن “الشرعية” المعترف بها دولياً مجرد واجهة إدارية تُستدعى عند الحاجة لتقنين النهب، وتُستبعد عندما يتعلق الأمر بالثروة والنفوذ.
إن اكتمال السيطرة السعودية على بلحاف لن يعني سوى إعادة إنتاج الاحتلال بأدوات أكثر نعومة، حيث تُستبدل الميليشيات بالاتفاقات، وتُستبدل السيطرة العسكرية المباشرة بإدارةٍ اقتصادية ترسمها الرياض وباريس على مقاس مصالحهما.
وفي المشهد الأوسع، يتحول شرق اليمن إلى مختبرٍ لاقتسام الموارد بين القوى الإقليمية والدولية، فيما يُترك اليمنيون بين خيارين كلاهما مرّ: فوضى الانقسامات المسلحة، أو استتباعٍ صامت لا يجرؤ حتى على تسمية الأشياء بأسمائها. بلحاف لم تعد مجرد مرفق طاقة، بل شاهدٌ على وطنٍ يُباع على دفعات، بينما العالم يكتفي بالمشاهدة.