من تفكيك الإصلاح إلى تمكين طارق.. ماذا جرى في ريف تعز والساحل الغربي من البداية إلى النهاية..!

6٬006

أبين اليوم – خاص 

لم تكن الانسحابات المفاجئة من مواقع ريف تعز والساحل الغربي مجرد تطورات ميدانية عابرة، كما لم تكن الاتهامات المتبادلة بين حزب الإصلاح وطارق صالح بشأن «المؤامرات» وليدة الساعات الأخيرة.

فما جرى خلال الأيام الماضية يبدو، في ضوء تسلسل الأحداث، جزءاً من عملية أوسع لإعادة رسم خريطة النفوذ في تعز، بدأت سياسياً من قرار إعادة ترتيب المحافظة، وانتقلت سريعاً إلى الميدان عبر تفكيك مواقع الإصلاح وفتح الطريق أمام طارق صالح.

القصة بدأت الأسبوع الماضي، عندما دفع حزب الإصلاح بمرشحه عبده فرحان سالم، المعروف بـ«سالم الدست»، لمنصب محافظ تعز، في محاولة للحفاظ على حضوره داخل المحافظة في ظل ترتيبات سعودية لإعادة هيكلة قواته ودمجها مع قوات طارق صالح تحت مسمى «درع الوطن».

لكن الرياض، وفق المعطيات المتداولة، لم تتعامل مع ترشيح الإصلاح باعتباره تسوية تحفظ للحزب موقعه، بل مضت في الاتجاه المعاكس: إعادة انتزاع الملف العسكري والإداري لتعز من قبضة الإصلاح وتسليمه تدريجياً إلى طارق صالح.

وجاء قرار رشاد العليمي، بتوجيه من اللجنة الخاصة السعودية، ليعزز هذا المسار، قبل أن يظهر طارق صالح في واجهة المشهد من خلال اجتماع مباشر ضم محافظ تعز نبيل شمسان ورئيس حكومة عدن، إضافة إلى محافظ جنوب الحديدة الحسن طاهر.

لم يكن الاجتماع، في هذا السياق، مجرد لقاء تنسيقي؛ إذ وجه طارق حكومة عدن بتوفير الدعم الكامل لتعز وجنوب الحديدة، في رسالة سياسية وعسكرية مفادها أن الرجل بدأ يتعامل مع المحافظتين باعتبارهما جزءاً من نطاق نفوذه المقبل.

واللافت أن هذا التحرك تزامن مع ترتيبات عسكرية في الساحل الغربي، حيث كانت الرياض تعمل في الوقت ذاته على إعادة دمج وتوزيع القوات، بما يقلص نفوذ القيادات المرتبطة بالإصلاح ويمنح قوات طارق موقعاً أكثر تقدماً في المعادلة.

وهنا بدأت المواجهة الحقيقية.

فبدلاً من أن تتجه القوات المناهضة لصنعاء إلى تعزيز جبهاتها، بدأت مواقعها تتآكل من الداخل، وظهرت اتهامات متبادلة بالتفاهم مع صنعاء والتخلي عن مواقع استراتيجية.

وكانت البداية من جانب قوات طارق صالح التي انسحبت بصورة مفاجئة من مواقع في البرح ومقبنة، قبل أن يتبعها الإصلاح بإخلاء مواقع حاكمة على المخا في جبل حبيشي.

ومع تساقط المواقع، بدأت الاتهامات تتساقط معها.

وقيادات في الإصلاح تحدثت عن مخطط يستهدف إقصاء الحزب من تعز، واتهمت طارق صالح ورشاد العليمي بالعمل على استنزاف قواته ومنع تعزيزها في ريف المحافظة، تمهيداً لتمكين قوات طارق من ملء الفراغ.

وفي المقابل، وجد طارق في هذه التطورات فرصة لتقديم نفسه باعتباره الطرف القادر على إعادة ضبط الوضع العسكري في تعز والساحل الغربي، خصوصاً أن تمدده يجري بالتوازي مع إعادة تشكيل القوات تحت مظلة «درع الوطن».

وبذلك تحولت الجبهة تدريجياً من مواجهة بين قوات صنعاء والقوى المناهضة لها إلى صراع داخل معسكر واحد على من يملك الأرض ومن يحدد اتجاه المعركة.

والأكثر دلالة أن هذا الصراع يجري في منطقة ذات أهمية استراتيجية بالغة، تمتد من ريف تعز إلى الساحل الغربي ومحيط المخا، بما يجعل السيطرة عليها ورقة عسكرية وسياسية واقتصادية في آن واحد.

أما الإصلاح، فيواجه اليوم معركة مختلفة عن تلك التي خاضها خلال السنوات الماضية؛ فالمسألة لم تعد مجرد الدفاع عن مواقع عسكرية، وإنما الحفاظ على موقع الحزب في معادلة تعز بعد أن بدأت الرياض بإعادة تعريف القوى التي يمكنها الاعتماد عليها.

وفي المقابل، فإن طارق صالح لا يبدو معنياً فقط بتوسيع نطاق قواته، بل بإعادة إنتاج صورته السياسية داخل تعز. فبعد سنوات من ارتباط اسمه بإرث عائلة صالح، يحتاج إلى الظهور باعتباره لاعباً قادراً على حماية المحافظة وإعادة تنظيم جبهاتها، وصولاً إلى تقديم نفسه كبديل عن القوى التي فشلت، وفق الخطاب الموجه، في إدارة المعركة.

وهكذا، فإن ما جرى خلال الأيام الماضية يمكن قراءته باعتباره المرحلة الأولى من معركة أكبر على تعز: الإصلاح يحاول منع سقوط آخر معاقل نفوذه، وطارق يتحرك لانتزاعها، بينما تستخدم السعودية إعادة هيكلة القوات والقرارات السياسية والعسكرية لإعادة صياغة المشهد بما يتوافق مع حساباتها.

تحليل:

ما يجري في تعز يكشف أن السعودية لا تتعامل مع الإصلاح باعتباره حليفاً ثابتاً، بل باعتباره ورقة قابلة لإعادة التدوير أو التفكيك عندما تتغير حسابات الرياض. ولذلك فإن دمج قواته مع تشكيلات مرتبطة بطارق صالح لا يمكن فصله عن التحولات السياسية والإدارية التي تجري في المحافظة، فالهدف الأوسع يبدو إنهاء احتكار الإصلاح للقرار العسكري في تعز.

واللافت أن عملية إضعاف الإصلاح لا تتم بالضرورة عبر مواجهة مباشرة معه، وإنما عبر تفكيك بنيته العسكرية، ومنع تعزيز مواقعه، وإعادة توزيع الجبهات والقوات، ثم خلق فراغ ميداني يمكن لقوة أخرى أن تملأه. وهذا يفسر حساسية الحزب تجاه تحركات طارق، ويفسر في الوقت نفسه الاتهامات المتبادلة التي انفجرت بعد الانسحابات الأخيرة.

لكن أخطر ما تكشفه هذه التطورات هو أن إعادة ترتيب معسكر القوى المناهضة لصنعاء تجري على حساب الجبهة نفسها. فبدلاً من توحيد القوات في مواجهة الخصم الرئيسي، يجري استنزافها في صراع نفوذ داخلي، بما يجعل المواقع الاستراتيجية في الساحل الغربي وريف تعز أوراقاً في صراع سعودي ــ إصلاحي ــ طارقي أكثر من كونها جبهات عسكرية موحدة.

وفي حال استمر هذا المسار، فإن معركة تعز المقبلة لن تكون بالضرورة معركة تحرير من صنعاء، وإنما معركة تحديد هوية القوة التي ستخلف الإصلاح في المحافظة. وهنا تكمن أهمية التحرك السعودي: إضعاف الإصلاح أولاً، تمكين طارق ثانياً، وإعادة بناء الخارطة العسكرية لتعز وفق موازين جديدة ثالثاً.

 

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com