في سابقة غير معهودة.. القاعدة يفصل ثلاثة من عناصره.. اتهامات بالخيانة وانقسامات تهدد تماسك التنظيم..!

5٬994

أبين اليوم – خاص 

أعلن تنظيم القاعدة الإرهابي فصل ثلاثة من عناصره، في خطوة غير معهودة داخل التنظيم الذي اعتاد اللجوء إلى الإعدام بحق مخالفي تعليماته، ما يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن حجم الخلافات والتصدعات التي تضرب بنيته الداخلية، خصوصاً في المناطق الخاضعة لنفوذ السعودية.

وقال التنظيم، في بيان صدر أمس الاثنين وتداولته وسائل التواصل الاجتماعي، إنه قرر فصل ثلاثة من عناصره هم خالد عبدالحكيم عوض عاطف، الملقب بـ”كرار العولقي”، وأحمد باصرين، المكنى بـ”عساف باصبرين”، ومحمد صالح حسين النقيب، الملقب بـ”محمد كوبا” والمكنى بـ”صبري الحميقاني”، مبرراً القرار بعدم التزامهم بتوجيهاته.

وتضمن البيان إعلان التنظيم التبرؤ من العناصر الثلاثة وإخلاء مسؤوليته عن أي أعمال قد ينفذونها ضد أي جهة، إلى جانب تحذير بقية عناصره من التعامل معهم أو التواصل بهم. كما استهل التنظيم بيانه بعبارات تتحدث عن “النفاق والخيانة والغدر والخصام”، في إشارة إلى طبيعة الخلافات التي دفعت إلى اتخاذ قرار الفصل.

ويرى مراقبون أن القرار قد يعكس أزمة ثقة واختراقات محتملة داخل التنظيم، مع ترجيحات بأن تكون العناصر المفصولة على صلة بجهات أخرى، وهي فرضية لم يقدم البيان ما يثبتها بصورة مباشرة. وتكتسب هذه الاحتمالات أهمية في ظل تمركز قيادات التنظيم بمنطقة الصمدة في وادي عبيدة بمحافظة مأرب، عقب انتقالها من محافظة البيضاء عام 2020.

ويكتسب القرار دلالته من لجوء التنظيم إلى الفصل والتبرؤ بدلاً من إجراءات العقاب التي ارتبطت تاريخياً بالتعامل مع مخالفيه، وسط تكهنات بشأن احتمال انتقال العناصر الثلاثة إلى تنظيم “داعش” الإرهابي. كما يأتي في سياق انقسامات داخلية أوسع، بالتزامن مع مشاركة عناصر من القاعدة في القتال إلى جانب فصائل موالية للسعودية في جبهات مأرب والجوف وغرب لحج.

تحليل:

لا تكمن أهمية القرار في فصل ثلاثة عناصر فحسب، بل في اضطرار التنظيم إلى إعلان القطيعة معهم والتحذير من التعامل معهم، بما يعكس أزمة ثقة تتجاوز الخلاف التنظيمي التقليدي إلى مخاوف من تبعات أمنية واستخباراتية محتملة. فحين تتحول الخلافات الداخلية إلى اتهامات بالخيانة والغدر، يصبح السؤال الأهم متعلقاً بقدرة القيادة على ضبط عناصرها، ومدى تماسك شبكاتها في مناطق انتشارها، لا بمجرد الأسماء التي أُعلنت إقالتها. ومع ذلك، فإن فرضية الاختراق أو انتقال المفصولين إلى “داعش” تظل بحاجة إلى معلومات إضافية تؤكدها.

وتزداد دلالة هذه التطورات بالنظر إلى انخراط عناصر التنظيم في جبهات القتال إلى جانب الفصائل المدعومة سعودياً؛ إذ إن أي تصدع داخل بنيته قد ينعكس على الترتيبات الأمنية والعسكرية في مناطق انتشارها، ويفتح الباب أمام تنافس بين التنظيمات المسلحة على النفوذ والعناصر والمعلومات. وفي بيئة تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع المصالح الإقليمية، لا تبقى الانقسامات محصورة داخل التنظيم، بل قد تتحول إلى عامل اضطراب أمني أوسع، خصوصاً إذا ارتبطت بصراعات الولاء أو بتصفية الحسابات بين أطراف متنافسة.

ومن ناحية أخرى.. لا يمكن استبعاد أن يكون قرار الفصل، بدلاً من أن يعكس انقساماً حقيقياً داخل تنظيم القاعدة، جزءاً من مناورة محسوبة لإعادة توزيع الأدوار وصناعة مسافة شكلية بين التنظيم وبعض عناصره، بما يسمح بالتنصل المسبق من المسؤولية عن عمليات إرهابية قد تُنفذ مستقبلاً بأيدي المفصولين.

فإعلان التبرؤ، والتحذير من التواصل معهم، وإخلاء المسؤولية عن أي أعمال ينفذونها، قد يشكل في هذه القراءة غطاءً سياسياً وأمنياً جاهزاً لإنكار الصلة بأي عمليات لاحقة، حتى لو بقيت الروابط الفعلية بين الطرفين قائمة خلف الستار.

ووفق هذا الاحتمال، فإن الفصل لا يعني بالضرورة خروج العناصر من دائرة التنظيم، بل قد يكون إخراجاً معلناً لها من واجهته، مع إبقاء مساحة للمناورة والإنكار، خصوصاً أن البيان لم يقدم ما يكشف حقيقة ما يجري داخل البنية التنظيمية المغلقة.

والأخطر أن مثل هذه المناورة، إن كانت هي ما يجري فعلاً، قد تتيح تنفيذ عمليات تحت لافتة العناصر المفصولة، ثم توظيفها في إعادة خلط الأوراق الأمنية والسياسية، وتوجيه الاتهامات إلى خصوم محددين، أو تهيئة الذرائع لتدخلات وتحركات عسكرية جديدة.

وهنا يصبح السؤال أبعد من حقيقة الخلاف داخل القاعدة: هل نحن أمام تصدع حقيقي يهدد التنظيم، أم أمام عملية فصل وظيفي تستهدف تحصين قيادته من تبعات ما قد يرتكبه بعض عناصره لاحقاً؟

لا توجد حتى الآن معطيات حاسمة تثبت فرضية المسرحية، لكنها تظل قراءة احتمالية تستحق المتابعة، ولا سيما إذا أعقبت القرار عمليات تنفذها العناصر الثلاثة أو جهات مرتبطة بها، ثم سارع التنظيم إلى نفي مسؤوليته عنها.

ففي عالم التنظيمات السرية، قد يكون إعلان القطيعة دليلاً على الانفصال، وقد يكون أيضاً أول فصول التنصل؛ والفاصل بين الاحتمالين ليس البيان، بل ما ستكشفه الوقائع اللاحقة عن حقيقة العلاقات والأدوار.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com