مليارا دولار تربط كوشنر مع بن سلمان وبن زايد وبوساطة نتنياهو.. تحقيق أمريكي يكشف شبكة المال السياسي داخل البيت الأبيض..!

5٬996

أبين اليوم – وكالات 

كشف تحقيق استقصائي نشرته مجلة “فانيتي فير” الأمريكية عن شبكة معقدة من التحويلات المالية والترتيبات الدبلوماسية السرية التي ربطت جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومستشاره السابق، بقيادات السعودية والإمارات وإسرائيل، عبر حسابات مصرفية بلغت الأموال المرتبطة بها نحو ملياري دولار، في قضية تفتح ملف تداخل المصالح المالية مع صناعة القرار السياسي الأمريكي، وتكشف طبيعة الصفقات التي أحاطت بإعادة تشكيل السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط خلال الولاية الأولى لترامب.

ويستند التحقيق إلى كتاب الصحفي الاستقصائي ماثيو كول الجديد “أمراء ولصوص: المخطط السري لجاريد كوشنر ومحمد بن زايد لإعادة تشكيل الشرق الأوسط”، الذي يتناول شبكة العلاقات التي جمعت كوشنر بولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس الإماراتي محمد بن زايد ورئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو.

ويكشف التحقيق عن ترتيبات مالية تجاوزت حدود الدبلوماسية التقليدية، وربطت بين الأموال الخليجية والأهداف السياسية للإدارة الأمريكية، في وقت كان كوشنر يشغل موقعاً حساساً داخل البيت الأبيض ويتولى ملفات محورية تتعلق بالمنطقة.

بدأت خيوط القضية باختراق الاستخبارات العسكرية الهولندية هاتف كوشنر عام 2018، بعدما تمكنت من الوصول إلى معلومات مرتبطة بملفات سرية للاستخبارات العسكرية الروسية تضمنت صوراً وبيانات عن هاتفه. واستغل الهولنديون ثغرة أمنية في هاتفه من طراز “آيفون إكس”، ما أتاح لهم مراقبة شاشته أثناء استخدامه، والوصول إلى معلومات قادتهم إلى حسابات مصرفية وتحويلات مالية لافتة.

وبحسب التحقيق، رصدت الاستخبارات الهولندية دخول كوشنر إلى حساب مصرفي في دبي تلقى مئات الملايين من الدولارات عبر مصرف في أذربيجان، إلى جانب تحويلات ارتبطت بشخصيات وصفها التقرير بأنها أمير حرب ومرتزق وشخص سبق أن عمل قاتلاً مأجوراً.

ووضعت هذه المعطيات الحسابات المصرفية ضمن شبكة أوسع من العلاقات السياسية والأمنية التي جمعت شخصيات نافذة في واشنطن والخليج وإسرائيل.

أولاً: مليارات الخليج مقابل النفوذ داخل البيت الأبيض:

تعود الترتيبات الأساسية، وفق التحقيق، إلى عام 2017، مع بداية الولاية الأولى لترامب، حين تقاطعت مصالح محمد بن سلمان ومحمد بن زايد وجاريد كوشنر في مشروع سياسي إقليمي واسع. كان بن سلمان يسعى إلى تثبيت موقعه في ولاية العهد السعودية، فيما عمل بن زايد على دفع الإدارة الأمريكية نحو إسقاط الاتفاق النووي الإيراني وتشديد المواجهة مع طهران، بينما سعى كوشنر إلى استثمار علاقاته مع القيادتين الخليجيتين في تمرير تسوية للقضية الفلسطينية تتوافق مع المصالح الإسرائيلية.

ويكشف التحقيق أن بن سلمان وبن زايد ناقشا إنشاء صندوق سري تتجاوز قيمته عشرة مليارات دولار لدعم أهداف السياسة الخارجية لإدارة ترامب، بما في ذلك تمويل مشاريع سياسية داخل الولايات المتحدة تساعد الرئيس الأمريكي على ضمان الفوز بولاية ثانية. ولم تستمر الفكرة بصيغتها الأولى، لكن الأموال انتقلت، بحسب التحقيق، إلى مسارات مصرفية أخرى أتاحت لكوشنر الوصول إلى مبالغ ضخمة خارج الأطر المعتادة للتعاملات الحكومية.

ويذكر التحقيق أن بن سلمان وبن زايد، ثم بن زايد منفرداً، أتاحا ما لا يقل عن ملياري دولار عبر حسابين مصرفيين على الأقل مرتبطين بكوشنر. وتضع هذه التحويلات العلاقة بين المال والسياسة في قلب القضية، خصوصاً أن المستفيد من إمكانية الوصول إلى الأموال كان مسؤولاً حكومياً يشارك في صياغة سياسات الولايات المتحدة تجاه إيران وإسرائيل والخليج والقضية الفلسطينية.

ثانياً: حساب “ألفا”.. 750 مليون دولار عبر بنك أبوظبي الأول:

يكشف التحقيق عن حساب مصرفي أطلق عليه اسم “ألفا” في بنك أبوظبي الأول، تلقى نحو 750 مليون دولار من جهات سعودية وإماراتية منذ عام 2017. وكان طحنون بن زايد، شقيق الرئيس الإماراتي، يرأس مجلس إدارة البنك خلال تلك الفترة، بما يضع الحساب في قلب شبكة مالية ترتبط بمراكز النفوذ السياسي والاقتصادي في الإمارات.

ويربط التحقيق الحساب بمؤسسة “وطني الإمارات”، وهي مؤسسة ممولة حكومياً، ويقول إن المؤسسة استُخدمت غطاءً لتمويل عمليات عسكرية واستخباراتية إماراتية سرية خارج البلاد. كما يذكر أن الحساب كان مخصصاً لدعم أهداف سياسية خارجية، وأن كوشنر كان مخولاً بالتوقيع عليه، الأمر الذي أتاح له الوصول إلى الأموال، رغم أنه لم يكن المالك القانوني للحساب أو للمؤسسة.

ويشير التحقيق إلى أن التحويلات جرت بالدولار عبر أذربيجان، مستفيدة من دور المصارف هناك في تمرير مبالغ كبيرة مقابل رسوم مرتفعة. ويطرح هذا المسار أسئلة حول طبيعة الوسطاء الماليين، والجهات التي أدارت التحويلات، ومدى ارتباطها بالأهداف السياسية التي ناقشتها الأطراف المعنية.

والأهم في هذه التفاصيل أن القضية لا تتعلق بمجرد وجود أموال خليجية في مؤسسات مصرفية، بل بطبيعة العلاقة بين الحسابات والتحركات السياسية التي كان كوشنر معنياً بها داخل الإدارة الأمريكية. فالتداخل بين إمكانية الوصول إلى الأموال والمشاركة في صنع القرار هو ما يمنح الملف ثقله السياسي والقانوني.

ثالثاً: حساب “بيتا”.. مليار دولار إلى كيان الاحتلال وتحويلات إلى قبرص:

يفرد التحقيق مساحة لحساب ثانٍ أطلق عليه اسم “بيتا”، ويقول إنه شهد تحويل نحو مليار دولار إلى إسرائيل عبر أذربيجان بحلول ربيع عام 2018. وينقل عن مصادره أن بنيامين نتنياهو شجع كوشنر على إيداع الأموال في البنك المركزي الإسرائيلي، وأن جزءاً كبيراً منها انتقل لاحقاً إلى حسابات مصرفية في قبرص.

وبحسب التحقيق، اشترط نتنياهو أن يبلغه كوشنر قبل تنفيذ أي تحويلات من الحساب، وكانت الرسائل المتعلقة بهذه الترتيبات تمر عبر السفير الأمريكي السابق لدى كيان الاحتلال ديفيد فريدمان. وتضع هذه الرواية العلاقة بين كوشنر ونتنياهو في سياق يتجاوز التنسيق الدبلوماسي المعتاد، لتشمل ترتيبات مالية ارتبطت بمصارف في أكثر من دولة.

كما يتحدث التحقيق عن حساب ثالث مرتبط بترتيبات لمساعدة إسرائيل في مواجهة هجوم إيراني واسع، تضمنت تحويلاً إماراتياً إلى البنك المركزي الإسرائيلي لتغطية تكاليف دفاعية طارئة. وبهذا، تتقاطع في الملف ثلاثة مسارات رئيسية: الأموال الخليجية، والعلاقات السياسية داخل البيت الأبيض، والاحتياجات الأمنية الإسرائيلية.

وتكشف هذه المسارات، كما يعرضها التحقيق، عن شبكة مصالح تتداخل فيها حسابات النفوذ الإقليمي مع العلاقات الشخصية والسياسية، في وقت كانت فيه الإدارة الأمريكية تعيد صياغة سياستها تجاه إيران وتدفع باتجاه التطبيع العربي الإسرائيلي. ويضع ذلك طبيعة الترتيبات المالية ووجهة الأموال والجهات التي امتلكت صلاحية التصرف فيها أمام أسئلة جوهرية تتعلق بالشفافية والمساءلة.

رابعاً: تضارب المصالح.. المال السياسي في مواجهة الرقابة الأمريكية:

أثار التحقيق جدلاً بشأن احتمال عدم الإفصاح عن الحسابات وفق متطلبات الوظيفة الحكومية الأمريكية، وما قد يترتب على ذلك من تضارب مصالح أو تأثير خارجي في صناعة القرار.

فوجود مسؤول داخل البيت الأبيض لديه إمكانية الوصول إلى أموال مرتبطة بجهات أجنبية، بالتزامن مع مشاركته في صياغة سياسات تمس مصالح تلك الجهات، يضع قواعد الإفصاح والرقابة الحكومية في صلب القضية.

وتزداد حساسية الملف بالنظر إلى أن كوشنر كان أحد أبرز مهندسي سياسة ترامب في الشرق الأوسط، وشارك في ملفات التطبيع والعلاقات مع إسرائيل والتعامل مع إيران. ومن ثم، فإن السؤال لا يقتصر على كيفية انتقال الأموال بين الحسابات، بل يمتد إلى العلاقة المحتملة بين هذه الترتيبات والقرارات السياسية التي اتخذتها الإدارة الأمريكية خلال تلك المرحلة.

كما يسلط التحقيق الضوء على الدور الذي أدته المصارف والوسطاء الماليون في تمرير التحويلات عبر أكثر من دولة، وعلى استخدام مؤسسات مرتبطة بتمويل حكومي في إدارة حسابات تتصل بأهداف سياسية خارجية. وهذه العناصر تجعل القضية أوسع من علاقة مالية بين أفراد، وتفتح باباً لفحص بنية النفوذ التي تربط المال بالدبلوماسية والأمن في الشرق الأوسط.

خامساً: كوشنر وفريدمان يردان.. مواجهة قانونية وإعلامية:

في مواجهة هذه التفاصيل، نفى محامي كوشنر ارتكاب موكله أي مخالفات، مؤكداً أنه لم يكن على علم بحساب “ألفا” أو بمؤسسة “وطني الإمارات”، كما نفى وجود حساب “بيتا” أو معرفة كوشنر به. وشدد على أن تعاملات موكله حظيت بموافقة ترامب وكانت، بحسب قوله، لمصلحة الولايات المتحدة.

من جانبه، نفى السفير الأمريكي السابق لدى إسرائيل ديفيد فريدمان معرفته بالأموال أو نقل أي رسائل بشأنها، ووصف الادعاءات بأنها كاذبة تماماً. وتتمحور المواجهة بين الروايتين حول طبيعة الحسابات، وصلاحيات الوصول إليها، ومصدر الأموال، ومدى ارتباطها بالتحركات السياسية التي كان كوشنر يقودها داخل البيت الأبيض.

ويستند التحقيق إلى مقتطف من كتاب ماثيو كول المرتقب نشره عن دار “ون سيغنال”، التابعة لدار النشر “سايمون آند شوستر”. وقد أعاد نشر هذه التفاصيل فتح النقاش حول العلاقة بين المصالح المالية الخاصة والمسؤوليات الحكومية، وحول قدرة أنظمة الإفصاح والرقابة الأمريكية على كشف أي تضارب محتمل بين الموقع الرسمي والمصالح الخارجية.

تحليل:

تكشف القضية، في جوهرها، عن تقاطع بالغ الحساسية بين المال والنفوذ وصناعة القرار الأمريكي؛ فالشخصيات التي تناولها التحقيق كانت تتحرك في ملفات استراتيجية تشمل إيران والتطبيع والقضية الفلسطينية وإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية، بينما تتحدث الرواية المنشورة عن حسابات مالية ضخمة ومسارات تحويل عابرة للحدود.

وإذا ثبتت الصلات التي يعرضها التحقيق، فإن القضية ستتجاوز حدود المخالفات المالية المحتملة إلى سؤال أكبر: هل تحولت العلاقات الشخصية والتمويل الخارجي إلى قنوات موازية للتأثير في السياسة الأمريكية، بعيداً عن أدوات الرقابة والمساءلة المعتادة؟

أما السعودية والإمارات وكيان الاحتلال، فتجمعهم في هذا الملف مصالح متقاطعة، وإن اختلفت أولوياتها؛ فكل طرف يسعى إلى توظيف علاقته بواشنطن لتحقيق أهداف استراتيجية تخص موقعه الإقليمي وأمنه السياسي. وتضع هذه القضية تلك العلاقات تحت مجهر المساءلة، لكنها تظل بحاجة إلى حسم الوقائع المصرفية والقانونية التي تشكل أساس الاتهامات. فالفارق بين شبكة نفوذ سياسي وترتيب مالي غير مشروع لا تحسمه الأسماء أو حجم الأموال وحدهما، بل الوثائق التي تثبت مصدر التحويلات ووجهتها والمستفيدين منها وعلاقتها بالقرارات الحكومية.

 

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com