“تقرير“| الجنوب اليمني على عتبة إعادة تشكيل: كيف جعلت السعودية التيار السلفي أداتها العسكرية والسياسية الأبرز..!

7٬999

أبين اليوم – خاص 

في الجنوب اليمني، لم تعد التحولات الجارية مجرّد تغييرات تكتيكية في خريطة القوى، بل تعبيرًا عن انتقال استراتيجي خطير في طريقة إدارة الصراع.

فحين تفشل الأدوات السياسية، وينهار الوكلاء التقليديون، تلجأ القوى الإقليمية إلى استدعاء الأيديولوجيا بوصفها بديلاً أكثر طواعية وأقل كلفة.

ما تشهده المحافظات الجنوبية اليوم يكشف بوضوح أن السعودية لم تعد تراهن على الهياكل الشكلية لـ“الشرعية” ولا على القوى المحلية ذات الطموحات الخاصة، بل تتجه نحو تمكين تيار عقائدي منضبط، منزوع الإرادة الوطنية، وقابل للتشكيل وفق متطلبات النفوذ الخارجي.

إنها لحظة إعادة هندسة للصراع، يُستبدل فيها منطق الدولة بمنطق الجماعة، وتُعسكَر الدعوة الدينية لتتحول من خطاب وعظي إلى أداة سيطرة، في مسار لا يهدد فقط مستقبل الجنوب، بل يفتح الباب أمام تفكيك أعمق للهوية الوطنية اليمنية نفسها.

وتعكس التطورات الأخيرة في المحافظات الجنوبية تحوّلًا واضحًا في المقاربة السعودية، يقوم على تمكين التيار السلفي المتشدد عسكريًا وسياسيًا، وتحويله إلى أحد أهم أدوات النفوذ على الأرض.

ورغم أن استخدام السلفيين ليس جديدًا في مسار الحرب على اليمن، إذ سبقت الإمارات إلى توظيفهم ضمن تشكيلات أمنية وعسكرية متعددة، إلا أن الفارق الجوهري اليوم يكمن في اعتماد السعودية عليهم بشكل شبه كامل، بعد تراجع الدور الإماراتي وانكشاف هشاشة المجلس الانتقالي الجنوبي.

تاريخيًا، ظل التيار السلفي في اليمن بعيدًا عن العمل السياسي والعسكري المنظم، واقتصر نشاطه لعقود على الدعوة الدينية المرتبطة بالمدرسة السلفية السعودية، مع دعم مباشر من الرياض، دون حضور فعلي في مؤسسات الدولة.

غير أن حرب 2015 شكّلت نقطة تحوّل حاسمة، دفعت التحالف إلى عسكرة هذا التيار، مستفيدًا من طبيعته التعبوية، وانضباطه العالي، وافتقاره لمشروع سياسي مستقل.

ويبرز تأسيس قوات “درع الوطن” عام 2023 بوصفه التعبير الأوضح عن هذا التحول، إذ تُعد هذه القوات الذراع العسكرية المباشرة للسعودية في الجنوب، بعد أن تلقت تدريبها وإشرافها من ضباط سعوديين، وتمكنت خلال فترة وجيزة من تجاوز التشكيلات المحلية الأخرى

ولم يقتصر التمكين على الجانب العسكري، بل امتد إلى الحقل السياسي والإداري، كما يظهر في تعيين شخصيات محسوبة على التيار السلفي في مواقع حساسة، من بينها تعيين عبدالرحمن شيخ اليافعي محافظًا لعدن، بما يعكس توجّهًا سعوديًا لإعادة هندسة المشهد الجنوبي.

وتعود دوافع هذا التوجّه إلى عدة عوامل، أبرزها السعي لتعميق الانقسام المذهبي والطائفي داخل المجتمع اليمني، بما يضمن بقاء الصراع مفتوحًا وقابلًا للإدارة الخارجية، إضافة إلى الارتباط الأيديولوجي المباشر بين السلفيين والمؤسسة الدينية السعودية، ما يجعلهم أكثر طواعية وأقل ميلاً للاستقلال السياسي.

كما جاء هذا الخيار نتيجة فشل الرهانات السعودية السابقة على القوى الحزبية التقليدية، مثل حزب الإصلاح والمؤتمر الشعبي العام.

وفي هذا السياق، تمثل قوات “العمالقة” نموذجًا واضحًا لتحولات الولاء، إذ انتقلت سريعًا من دائرة النفوذ الإماراتي إلى الاصطفاف مع السعودية، بقيادة عبدالرحمن المحرمي، الذي غادر عدن مبكرًا إلى الرياض، وأسهمت قواته في إدارة المشهد الأمني في عدن ولحج، تمهيدًا لوصول قوات “درع الوطن”.

حتى على المستوى الرمزي، يبرز هذا التحول بوضوح داخل المؤسسة العسكرية، حيث كان إطلاق اللحى محظورًا سابقًا بوصفه مخالفًا للانضباط العسكري، بينما بات اليوم سمة شائعة لدى قادة وعناصر التشكيلات المدعومة سعوديًا، في إشارة إلى تغلغل البعد الأيديولوجي في بنية القوة المسلحة.

وعليه يمكن القول:

ما يجري في جنوب اليمن لا يمثل مجرد تبديل أدوات، بل انتقالًا سعوديًا من إدارة الصراع عبر واجهات سياسية هشة إلى توظيف تيار عقائدي منضبط، قابل للتوجيه، ومفصول عن أي مشروع وطني جامع.

هذا الخيار، وإن وفّر للرياض نفوذًا مباشرًا وسريعًا، إلا أنه يحمل في طياته مخاطر استراتيجية عميقة، أبرزها تفكيك النسيج الاجتماعي، وتديين الصراع، وتحويل المؤسسة العسكرية إلى أداة أيديولوجية.

وعلى المدى البعيد، فإن عسكرة السلفية لن تنتج استقرارًا، بل ستُعيد تدوير الفوضى بأشكال أكثر حدّة، وتؤكد أن الجنوب يُدار كمساحة نفوذ، لا كجزء من دولة ذات سيادة.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com