“تحليل“| حرب اليمن وإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية: من السيطرة على الممرات إلى صراع الإرادات..!
أبين اليوم – خاص
لم يعد الصراع في اليمن قابلاً للاختزال ضمن إطار “حرب تقليدية” بين أطراف إقليمية، بل تحوّل إلى مختبر مفتوح لإعادة تعريف مفاهيم القوة في بيئة منخفضة الحسم وعالية الاستنزاف. فالمعادلة التي بدأت مع التدخل العسكري في اليمن 2015 لم تُنتج تفوقاً حاسماً لأي طرف، بل أفرزت نموذجاً مركباً تتداخل فيه الجغرافيا القتالية مع الاقتصاد السياسي للحرب، حيث تتراجع أهمية السيطرة المباشرة على الأرض لصالح القدرة على إدارة الكلفة والزمن.
في هذا السياق، تبرز الممرات البحرية الحيوية – وفي مقدمتها مضيق باب المندب – كعصب النظام الاستراتيجي الإقليمي، لا بوصفها خطوط نقل فقط، بل كبنى تحتية للأمن الاقتصادي العالمي. أي اضطراب فيها لا يُقاس بنتائجه العسكرية المباشرة، بل بارتداداته المالية الفورية على سلاسل الإمداد وأسواق الطاقة، ما يجعلها نقطة تقاطع بين الردع العسكري والتسعير الاقتصادي للمخاطر.
وعليه، فإن جوهر الصراع لم يعد يتمحور حول “من يربح المعركة”، بل حول “من يعيد تعريف تكلفة المعركة نفسها”. فالقوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة والسعودية، تتحرك ضمن نموذج قوة تقليدي عالي الكلفة يعتمد على التفوق التكنولوجي والانتشار العسكري، في حين تتشكل على الضفة الأخرى أنماط مواجهة غير متماثلة تُراكم تأثيرها عبر الاستنزاف البطيء وتفكيك ميزة التفوق لا عبر مواجهته المباشرة.
من هنا، يصبح اليمن ليس مجرد ساحة حرب، بل بيئة اختبار لنموذج جديد من “الهندسة الاستراتيجية للصراع”، حيث تتداخل أدوات الردع مع آليات الاستنزاف، ويعاد فيها تعريف حدود الانتصار والهزيمة وفق معيار أكثر قسوة: القدرة على الاستمرار في إنتاج التأثير السياسي والعسكري بأقل كلفة ممكنة وعلى أطول مدى زمني ممكن.
– تجاوز النمط التقليدي للحروب:
لم يعد الصراع في اليمن مجرد مواجهة عسكرية كلاسيكية بين أطراف إقليمية ومحلية، بل تحول إلى “مختبر جيوسياسي مفتوح” يُعاد فيه صياغة مفاهيم القوة والردع. إن المعادلة التي انطلقت عام 2015 لم تقدّم حسماً عسكرياً، بل أنتجت نموذجاً معقداً تراجعت فيه أهمية “السيطرة الجغرافية المباشرة” لصالح القدرة على “إدارة الكلفة والزمن”. نحن أمام مشهد لا يُقاس فيه النصر بعدد الكيلومترات، بل بالقدرة على استنزاف الخصم وتفكيك ميزة تفوقه التكنولوجي.
أولاً: جغرافيا الممرات.. الصراع على عصب النظام العالمي:
يبرز الموقع الجغرافي لليمن كونه “العلة والمعلول” في هذا الصراع. فاليمن ليس مجرد مساحة يابسة، بل هو الحارس الفعلي لـ مضيق باب المندب، الذي يمر عبره نحو 10% من التجارة العالمية.
– التحول من النقل إلى الأمن: الممرات البحرية لم تعد خطوطاً للملاحة فحسب، بل تحولت إلى بنى تحتية للأمن الاقتصادي العالمي. أي اضطراب في هذه النقاط يترجم فوراً إلى ارتدادات مالية في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد.
– عسكرة الجزر والموانئ: يظهر التوجه الاستراتيجي للتحالف (بإشراف أمريكي) من خلال التركيز على “نقاط الارتكاز” البحرية مثل عدن، وجزيرتي سقطرى وميون. هذا الانتشار يهدف إلى بناء شبكة نفوذ بحري تمتد من القرن الأفريقي إلى سواحل اليمن، لضمان الهيمنة على طرق الملاحة في المحيط الهندي والبحر الأحمر.
ثانياً: الأطماع الإقليمية وحسابات “البوابات البديلة”:
تعد محافظة حضرموت نموذجاً حياً للتداخل بين الطموح الاقتصادي والضرورة الأمنية، خاصة بالنسبة للمملكة العربية السعودية:
– مشروع الأنبوب النفطي: تمثل حضرموت “البوابة الحلم” للوصول إلى بحر العرب، مما يتيح تصدير النفط بعيداً عن تهديدات مضيق هرمز.
– العمق الاستراتيجي: تسعى الرياض لفرض واقع جديد هناك عبر أدوات سياسية وقبلية وتشكيلات محلية، محاولةً تحويل المحافظة إلى منطقة نفوذ مستقرة تخدم مصالحها طويلة الأمد.
ثالثاً: المواجهة غير المتماثلة.. كسر هيبة التكنولوجيا:
في هذا الصراع، نجد صداماً بين نموذجين من القوة:
– النموذج التقليدي (الولايات المتحدة، بريطانيا، السعودية): يعتمد على التفوق التكنولوجي، الكثافة النيرانية، والانتشار العسكري واسع الكلفة.
– النموذج غير المتماثل (القوى الداخلية في اليمن): يعتمد على “هندسة الاستنزاف”. هذا النموذج لا يواجه القوة المتفوقة بشكل مباشر، بل يعمل على تفكيك فاعليتها عبر سلاح الوقت، وتقليل كلفة المواجهة بالنسبة له مقابل رفعها بشكل جنوني على الطرف الآخر.
– النتيجة: الجوهر الحقيقي للصراع انتقل من سؤال “من يربح المعركة؟” إلى “من يستطيع إعادة تعريف كلفة المعركة نفسها؟”.
رابعاً: البعد الدولي والسيادة الوطنية:
- تدخل القوى الكبرى (واشنطن ولندن) ومعها “إسرائيل” تحت غطاء “حماية الملاحة الدولية” ليس إلا محاولة لفرض واقع هيمنة جيوسياسي يهدف إلى:
– عزل اليمن عن قضايا الإقليم المركزية (وعلى رأسها القضية الفلسطينية).
– تحويل اليمن إلى ترس في ماكينة المصالح الغربية عبر أدوات محلية.
ومع ذلك، أثبتت التجربة أن الصمود اليمني تحول من حالة دفاعية إلى “معادلة ردع”. إن القدرة على إنتاج التأثير العسكري والسياسي بأقل الإمكانيات جعلت من اليمن بيئة “طارئة للهيمنة”، حيث تتآكل القوة التقليدية أمام صلابة الإرادة الداخلية.
ختاماً: وهم الإخضاع وحتمية الاستنزاف:
إن الرهان على إخضاع اليمن بالقوة العسكرية الفائقة ثبت أنه “وهم استراتيجي”. فالتاريخ والجغرافيا يثبتان أن السيطرة على الأرض قد تكون ممكنة مؤقتاً، لكن استرداد السيادة مسألة إرادة تتجذر مع الزمن.
اليمن اليوم لا يرفض التموضع في خرائط النفوذ الخارجية فحسب، بل يفرض “قواعد لعبة” جديدة؛ حيث النصر لا يُمنح للأقوى تقنياً، بل للأكثر صموداً وقدرة على إدارة صراع طويل النفس. أي مشروع لا يدرك هذه الحقيقة سيجد نفسه في مسار مفتوح من التآكل الذي قد يعيد رسم توازنات القوى في المنطقة بأكملها.
وعليه يمكن القول:
في جوهره، لم يعد الصراع المرتبط بـالتدخل العسكري في اليمن 2015 مجرد تنافس على النفوذ، بل تحوّل إلى اختبار قاسٍ لمن يمتلك القدرة على فرض “حقائق جيوسياسية بالقوة” ومن يستطيع كسرها بالإرادة والاستنزاف. فالقوى المنخرطة – من الولايات المتحدة إلى السعودية مروراً بإسرائيل – تعاملت مع اليمن كمساحة يمكن تطويعها ضمن معادلة السيطرة على الممرات الحيوية، وعلى رأسها مضيق باب المندب.
لكن ما تكشفه سنوات الحرب هو مفارقة صلبة: كلما تعاظمت أدوات السيطرة الخارجية، ازداد تعقيد إخضاع الداخل. فاليمن، بحكم تركيبته الجغرافية والاجتماعية، تحوّل إلى بيئة “طاردة للهيمنة” حيث تتآكل فعالية القوة التقليدية لصالح أنماط استنزاف طويلة الأمد.
الأخطر أن الصراع تجاوز مرحلة “من يسيطر على الأرض” إلى “من يعيد تعريف قواعد اللعبة”. فاليمن اليوم لا يكتفي برفض التموضع ضمن خرائط النفوذ المفروضة، بل يسعى – بفعل توازنات الردع المتشكلة داخلياً – إلى فرض كلفة استراتيجية على أي مشروع خارجي، سواء عبر تهديد الممرات أو إعادة إنتاج أدوات الرد بمرونة عالية.
بهذا المعنى، فإن الرهان على إخضاع اليمن لم يعد فقط مكلفاً، بل قد يكون وهماً استراتيجياً. فالتاريخ القريب يثبت أن الجغرافيا يمكن احتلالها مؤقتاً، لكن الإرادة السياسية حين تتجذر تتحول إلى عامل تآكل بطيء لأي وجود خارجي.
ومن هنا، فإن أي مشروع هيمنة لا يعيد حساباته وفق هذه الحقيقة، لن يواجه مجرد مقاومة، بل مساراً مفتوحاً من الاستنزاف قد يعيد رسم موازين القوى في الإقليم بأكمله – ليس لصالح الأقوى تقنياً، بل للأكثر قدرة على الصمود وإدارة الصراع طويل النفس.