“عدن“| وقود طائرات اليمنية بين التعطيل والسمّ: أزمة تكشف حجم اقتصاد الظل وانهيار المنظومة..!
أبين اليوم – خاص
في مشهد يعكس عمق الاختلالات الرقابية وتفاقم الأزمات داخل مدينة عدن، أعلنت الخطوط الجوية اليمنية عن تعثر جديد في رحلاتها الداخلية نتيجة انعدام وقود الطائرات، في وقتٍ تتداول فيه هذه المادة الحساسة في أوساط غير رسمية وباستخدامات خطرة.
وأوضح الناطق باسم الشركة، حاتم الشعبي، أنه تم إلغاء الرحلة المتجهة إلى مطار الغيظة بمحافظة المهرة، والتي كانت مقررة يوم الخميس 7 مايو، بسبب نفاد الوقود. وأشار إلى استبدال الرحلة رقم (IY430) بخط بديل (IY420) يسلك مسار (عدن – مطار الريان – سقطرى – عدن)، مع تحديد موعد الإقلاع من مطار عدن الدولي عند التاسعة صباحاً.
وجاء هذا التطور بعد تحذيرات سابقة أطلقتها شركة النفط بعدن بشأن نفاد مخزون وقود الطائرات، ودعوتها للناقل الوطني إلى التزود من مطارات خارجية، في مؤشر على أزمة إمداد متفاقمة.
في المقابل، أثارت هذه الأزمة موجة انتقادات حادة، حيث اتهم مراقبون ما وصفوه بـ”لوبيات الفساد” بالوقوف خلف اضطراب الإمدادات، بما يؤدي إلى تعطيل الملاحة الجوية وتعميق معاناة المسافرين، خاصة الحالات الإنسانية.
وبالتزامن مع هذا العجز، شهدت عدن حادثة صادمة تمثلت في وفاة عدد من الأشخاص بعد تناولهم وقود طائرات، اعتقاداً منهم بامتلاكه تأثيراً مشابهاً للمشروبات الكحولية.
الحادثة، التي تحولت إلى قضية رأي عام، كشفت عن تسرب هذه المادة الخطرة إلى السوق غير القانونية ووصولها إلى فئات شبابية.
هذا التناقض الصاروخ – بين عجز رسمي عن توفير الوقود للمرافق الحيوية وتوفره في قنوات غير مشروعة – عمّق حالة الغضب الشعبي، خاصة مع تزامنه مع أزمة وقود تضرب قطاع الكهرباء، وتفاقم الانهيار الاقتصادي، واستمرار انقطاع الرواتب.
تحليل:
ما تكشفه هذه الواقعة يتجاوز حدود “أزمة وقود” إلى نموذج مكتمل لاقتصاد الظل الذي ينمو على حساب الدولة.
فحين تفشل المؤسسات الرسمية في تأمين مورد استراتيجي كوقود الطائرات، بينما ينجح السوق الأسود في توفيره – حتى بطرق خطرة – فهذا يعني أن مركز التحكم الفعلي في الموارد قد انتقل من الدولة إلى شبكات غير رسمية.
المفارقة هنا ليست عرضية، بل بنيوية: نفس المادة التي تعجز الحكومة عن إدارتها ضمن سلاسل توريد منظمة، يتم تفكيكها وإعادة تدويرها عبر قنوات موازية، لتتحول من عنصر تشغيل حيوي إلى أداة قتل.
هذه الازدواجية تكشف عن انهيار منظومة الرقابة، وتواطؤ أو عجز في ضبط التسرب، وربما وجود مصالح مستفيدة من إبقاء الأزمة في حالة “استدامة”.
كما أن تزامن أزمة وقود الطيران مع أزمة وقود الكهرباء وانقطاع الرواتب يشير إلى خلل أعمق في إدارة الاقتصاد الكلي، حيث تتقاطع الأزمات لتنتج بيئة هشّة قابلة للانفجار اجتماعياً. وفي ظل غياب سلطة تنفيذية فاعلة على الأرض، تتحول المدينة إلى مساحة مفتوحة لتشابك الأزمات: أمنية، اقتصادية، وخدمية.
بالتالي، فإن معالجة هذه الظاهرة لا يمكن أن تتم عبر حلول جزئية (كاستيراد الوقود أو تعديل الجداول)، بل تتطلب إعادة بناء منظومة الحوكمة نفسها – من ضبط سلاسل الإمداد، إلى تفكيك شبكات السوق السوداء، وصولاً إلى استعادة الحد الأدنى من سيطرة الدولة على مواردها.
دون ذلك، ستبقى عدن عالقة في حلقة مفرغة حيث يتحول كل نقص رسمي إلى فرصة مميتة في السوق غير الرسمية.