السعودية تعيد هندسة الجنوب سياسياً.. صناعة بدائل لمواجهة الانتقالي..!
أبين اليوم – خاص
كشفت السعودية عن ملامح توجه سياسي جديد في جنوب اليمن، يقوم على إعادة تشكيل خارطة الحلفاء المحليين، عبر الدفع بشخصيات بديلة قادرة على مواجهة نفوذ المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات.
ويأتي هذا التحرك عقب نجاح الانتقالي في تعبئة الشارع الجنوبي ضد الرياض خلال الأيام الماضية، في وقت فشلت فيه الشخصيات التقليدية الموالية للسعودية في احتواء التوتر أو تنفيذ سياساتها على الأرض.
وفي هذا السياق، كثّف السفير السعودي لدى اليمن، محمد آل جابر، لقاءاته مع قيادات جنوبية بارزة، من بينها صلاح الشنفرة المعروف بمعارضته لرئيس الانتقالي عيدروس الزبيدي.
كما جمع لقاء آخر كلاً من أحمد بن بريك الذي أبدى مؤخراً تقارباً مع الرياض، إلى جانب نجلي الرئيس الأسبق علي سالم البيض، في مؤشر على محاولة توسيع قاعدة الحلفاء عبر استدعاء رمزية تاريخية وسياسية مؤثرة.
ومنذ أشهر، تعمل السعودية على تكثيف تحركاتها السياسية والعسكرية في الجنوب بهدف تقليص النفوذ الإماراتي، إلا أن هذه الجهود لم تحقق اختراقاً حاسماً حتى الآن، في ظل استمرار التصعيد الشعبي الذي يقوده الانتقالي، ما دفع الرياض إلى البحث عن أدوات جديدة وأكثر فاعلية لإعادة التموضع.
تحليل:
التحرك السعودي لا يعكس مجرد تبديل في الوجوه، بل يشير إلى تحول في مقاربة إدارة النفوذ داخل الجنوب.
فبعد فشل نموذج “الحليف الوظيفي الضعيف”، الذي يعتمد على شخصيات محدودة التأثير، تتجه الرياض نحو بناء شبكة نفوذ متعددة الأقطاب، قادرة على اختراق البنية الاجتماعية والسياسية التي يحتكرها الانتقالي. هذه الاستراتيجية تقوم على تفكيك الكتلة الصلبة للانتقالي من الداخل، بدلاً من مواجهتها بشكل مباشر.
اختيار شخصيات مثل الشنفرة وبن بريك وامتدادات عائلة البيض يعكس محاولة ذكية لإعادة تفعيل خطوط انقسام قديمة داخل الجنوب: بين الحراك والانتقالي، بين التيارات التاريخية والقيادة الحالية، وبين الرمزية السياسية والسلطة الفعلية.
بمعنى آخر، السعودية لا تصنع بديلاً واحداً، بل تحاول خلق بيئة تنافسية مزدحمة تُفقد الانتقالي قدرته على الاحتكار السياسي.
لكن هذه المقاربة تحمل في طياتها مخاطرة مزدوجة؛ إذ إن تعدد الأدوات قد يؤدي إلى تشظي النفوذ بدلاً من توحيده، خصوصاً في بيئة جنوبية مشبعة أصلاً بالانقسامات.
كما أن الانتقالي، الذي أثبت قدرته على الحشد الشعبي، لا يواجه فقط خصوماً سياسيين، بل يمتلك شرعية ميدانية يصعب تفكيكها عبر اللقاءات السياسية وحدها.
في العمق، ما يحدث هو انتقال الصراع السعودي-الإماراتي في الجنوب من المستوى العسكري إلى المستوى السياسي-الاجتماعي، حيث لم تعد المعركة على الأرض فقط، بل على من يمتلك تمثيل الجنوب ذاته.
وإذا نجحت السعودية في اختراق هذا التمثيل، فإنها ستعيد صياغة المعادلة بالكامل؛ أما إذا فشلت، فقد تجد نفسها أمام واقع أكثر تعقيداً، حيث يتحول الانتقالي من مجرد فصيل مدعوم إماراتياً إلى قوة جنوبية شبه مهيمنة يصعب تجاوزها.