“إسلام آباد“| مفاوضات إسلام آباد… تقارب تكتيكي وخلافات استراتيجية تؤجل الحسم..!
أبين اليوم – وكالات
بعد يوم كامل من مفاوضات وُصفت بـ”المضنية”، أُعلن عن نتائج دون مستوى التوقعات للجولة الأولى من المحادثات الأمريكية–الإيرانية التي عُقدت في إسلام آباد، وسط حضور غير تقليدي لقيادات سياسية من الصف الأول. فقد قاد الوفد الأمريكي نائب الرئيس جي دي فانس، فيما ترأس الجانب الإيراني رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، في سابقة تعكس محاولة كسر الجمود عبر قنوات سياسية موازية للمؤسسات التفاوضية التقليدية.
المحادثات، التي جاءت بعد نحو 40 يوماً من المواجهة المكلفة بين الطرفين، حملت مؤشرات مزدوجة. فمن جهة، أظهرت الأرقام المطروحة تقارباً نسبياً، حيث قدمت واشنطن نحو 15 بنداً تفاوضياً، قابلتها طهران بـ10 بنود، ما يوحي بوجود أرضية مشتركة حول عدد معتبر من الملفات.
ومن جهة أخرى، كشفت التصريحات الإيرانية عن ثلاث نقاط خلاف رئيسية ما تزال تعرقل أي اختراق حقيقي.
أبرز هذه الخلافات يتمحور حول إدارة مضيق هرمز، إذ تصر إيران على فرض رسوم على السفن العابرة كجزء من تمويل إعادة الإعمار، في حين تسعى الولايات المتحدة للحصول على دور أو حصة في هذه العائدات.
أما الملف الأكثر حساسية، فيتعلق بالبرنامج النووي، حيث تتمسك واشنطن بمطلب “تصفير التخصيب” ونقل مخزون اليورانيوم عالي التخصيب –المقدر بنحو 400 كيلوجرام– إلى دولة ثالثة، وهو ما ترفضه طهران بشكل قاطع.
ورغم هذه العقد، تشير المعطيات إلى أن الطرفين نجحا في تحقيق توافقات جزئية حول ملفات أخرى، من بينها البرنامج الصاروخي الإيراني، وشبكة التحالفات الإقليمية، إضافة إلى ترتيبات إعادة الإعمار، وهي قضايا كانت حتى وقت قريب خارج نطاق التفاهم المباشر.
في المحصلة، لم تُفضِ الجولة الأولى إلى اتفاق، لكنها أيضاً لم تنهار، بل رسمت حدود الاشتباك التفاوضي بين الطرفين. فواشنطن، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، تبدو أقل ميلاً للعودة إلى خيار الحرب بعد الكلفة الباهظة التي تكبدتها، بينما تتجه نحو تصعيد ضغوطها غير المباشرة عبر حلفاء طهران، خصوصاً الصين وروسيا، في محاولة لإعادة تشكيل شروط التفاوض.
في المقابل، لا يزال العامل الإسرائيلي حاضراً بقوة في خلفية المشهد، من خلال دفعه باتجاه تشديد الموقف الأمريكي ومنع أي تسوية لا تلبي شروطه الأمنية.
تحليل:
ما جرى في إسلام آباد لا يمكن قراءته كفشل تفاوضي بقدر ما هو إعادة تعريف لسقف الصراع. فالتقارب في الملفات الثانوية يقابله تصلب حاد في القضايا السيادية الكبرى، وعلى رأسها النووي والممرات الاستراتيجية.
وهذا النمط من التفاوض –الذي يجمع بين التنازل الجزئي والتشدد الكلي- يعكس إدراك الطرفين أن الحسم العسكري لم يعد خياراً مضمون النتائج، لكنه في الوقت ذاته لم يُستبدل بعد بتسوية سياسية ناضجة.
النتيجة أن المنطقة تدخل مرحلة “اللا حرب واللا اتفاق”، حيث تُستخدم الضغوط الاقتصادية والجيوسياسية كبديل مؤقت عن المواجهة المباشرة، بانتظار إعادة تشكيل موازين القوى أو نضوج صفقة كبرى تتجاوز هذه الجولة.