“تقرير“| حرب ما قبل الهجوم.. كيف تُجهض صنعاء التحشيدات السعودية في المخا ومأرب والوديعة..!
أبين اليوم – تقارير
منذ السادس من أغسطس، دخلت المواجهة بين قوات صنعاء والتحشيدات العسكرية التابعة للسعودية مرحلة جديدة اتسمت بارتفاع وتيرة الاستهداف واتساع نطاقه الجغرافي. وخلال هذه الفترة، نُفذت نحو عشر عمليات استهداف توزعت بين محاور المخا والوديعة ومأرب، وطالت تجمعات عسكرية ومخازن أسلحة ومقار قيادة وغرف عمليات، إضافة إلى زوارق حربية.
ولا تبدو كثافة هذه العمليات، وتعدد أهدافها ومحاورها، مجرد عمليات استنزاف متفرقة، بل تشير إلى نمط عملياتي يقوم على مراقبة التحشيدات ثم ضرب عناصر القوة قبل تحولها إلى قوة هجومية متماسكة.
فاستهداف مخازن الأسلحة ومراكز القيادة وغرف العمليات إلى جانب القوات نفسها، يعني أن الهدف يتجاوز إيقاع الخسائر البشرية إلى التأثير في منظومة القيادة والسيطرة والإمداد والقدرة على إدارة أي عملية عسكرية واسعة.
– المخا.. لماذا هذا المحور تحديداً؟
يكتسب محور المخا أهمية استثنائية بسبب موقعه على الساحل الغربي وقربه من باب المندب، فضلاً عن كونه أحد أهم مناطق تمركز الفصائل المدعومة من السعودية والإمارات.
ولذلك فإن ارتفاع وتيرة الضربات عليه، لليوم السادس على التوالي وفق المعطيات الواردة، يرتبط على الأرجح بمحاولة تعطيل التحشيد العسكري قبل انتقاله إلى مرحلة التنفيذ.
وتطرح الفصائل الموالية للتحالف تفسيراً مفاده أن ضرب المخا مرتبط بسعي صنعاء إلى السيطرة على باب المندب. إلا أن هذا التفسير لا يفسر وحده طبيعة الأهداف التي جرى ضربها؛ إذ إن استهداف غرف العمليات ومخازن السلاح ومقار القيادة والزوارق الحربية يوحي بأن الأولوية المباشرة تتمثل في تفكيك القوة العسكرية الموجودة في المنطقة وإحباط قدرتها على المبادرة، وليس بالضرورة الدخول فوراً في معركة للسيطرة على المضيق.
وبمعنى آخر، فإن المخا قد تكون بالنسبة لصنعاء هدفاً عسكرياً ذا أولوية لأنه يمثل قاعدة انطلاق محتملة لعملية هجومية سعودية، وليس فقط بسبب قيمته الجغرافية المرتبطة بالمندب.
– التحشيد السعودي تحت المراقبة:
تأتي هذه الضربات في سياق تحركات سعودية لإعادة ترتيب الفصائل المسلحة في الساحل الغربي وإخضاعها بصورة أكبر للقيادة السعودية، بالتزامن مع مساعٍ لإعادة توزيع موازين القوى داخل المعسكر المناهض لصنعاء.
وبحسب المعطيات التي تستند إليها هذه القراءة، فإن الرياض عملت خلال الأشهر الماضية على بناء قوة قادرة على استثمار الساحل الغربي في أي تصعيد جديد، مع إعادة دمج أو إعادة إخضاع الفصائل الإماراتية هناك ضمن ترتيبات عسكرية أكثر ارتباطاً بها.
وكان من الممكن أن يمثل هذا التحشيد مقدمة لعملية عسكرية باتجاه مناطق جديدة في الساحل، إلا أن الضربات المتكررة قلبت المعادلة؛ إذ تحولت القوات التي يفترض أن تكون رأس حربة لهجوم محتمل إلى أهداف ثابتة يجري استنزافها قبل دخولها المعركة.
– من استهداف القوات إلى ضرب «منظومة الحرب»:
تكشف طبيعة الأهداف عن بعد آخر في استراتيجية الاستهداف. فالقوة العسكرية لا تتحدد بعدد أفرادها فقط، وإنما بقدرتها على القيادة والتسليح والإمداد والمناورة والاتصال.
ولهذا فإن ضرب مخازن الأسلحة يقلل القدرة النارية، واستهداف غرف العمليات يربك القيادة والسيطرة، وضرب الزوارق يعطل الحركة والإمداد البحري، بينما يؤدي استهداف التجمعات العسكرية إلى رفع كلفة الحشد وإجبار القوات على الانتشار بدلاً من التركيز.
وتكمن أهمية هذا الأسلوب في أنه يرفع تكلفة أي عملية هجومية محتملة قبل بدايتها. فكلما زاد حجم القوة المتحشدة، أصبحت بحاجة إلى حماية وإخفاء وتحريك وإمداد، وهي متطلبات تصبح أكثر صعوبة عندما تكون مواقعها وخطوط إمدادها عرضة للاستهداف المستمر.
– أثر الضربات على أي هجوم بري محتمل:
ميدانياً، يفرض استمرار الضربات قيوداً كبيرة على قدرة القوات التابعة للسعودية على الانتقال من مرحلة التحشيد إلى مرحلة الهجوم.
فالتحشيد العسكري يفترض عادةً بناء كتلة قتالية مركزة، وتوفير مخزون من الذخائر، وإنشاء غرف عمليات، وتأمين طرق الإمداد، وتجميع الوحدات في نقاط قريبة من خطوط التماس.
لكن استهداف هذه العناصر بصورة متكررة يعكس المعادلة؛ إذ يصبح التجمع نفسه مصدر خطر، وتتحول مخازن السلاح ومقار القيادة إلى أهداف ذات أولوية.
كما أن توزيع الضربات بين المخا والوديعة ومأرب يفرض على القيادة السعودية التعامل مع أكثر من محور في الوقت نفسه، الأمر الذي يصعّب تركيز قوة كبيرة في اتجاه واحد دون المخاطرة بتعرضها للاستهداف.
ومن هنا يمكن فهم الضربات باعتبارها معركة لمنع تشكل القوة الهجومية قبل المعركة نفسها.
– استنزاف متراكم وليس ضربة واحدة:
تكمن خطورة هذا النمط في أثره التراكمي. فالضربة الواحدة قد لا تغير ميزان القوى، لكن تكرار الاستهداف خلال فترة قصيرة يمكن أن يؤدي إلى تآكل تدريجي في الجاهزية، وتراجع الثقة، واضطراب القيادة، وتغيير أنماط الانتشار، ورفع كلفة الإمداد والحماية.
ومع استمرار هذا المسار، قد تجد القوات المتحشدة نفسها أمام معادلة صعبة: فهي مطالبة بالبقاء في حالة استعداد لهجوم محتمل، لكنها في الوقت ذاته مضطرة إلى تفريق قواتها وإخفاء معداتها وتقليص تحركاتها خشية الاستهداف.
وبذلك تتحول التحشيدات من مصدر قوة إلى مصدر استنزاف، خصوصاً إذا لم تتمكن القيادة السعودية من توفير مظلة حماية قادرة على وقف هذه الضربات أو تحييد مصادر الاستهداف.
– المخا في قلب اختبار الاستراتيجية السعودية:
اللافت أن ما يجري في المخا لا يمكن فصله عن التحولات الأوسع في المعسكر الموالي للسعودية. فإعادة ترتيب الفصائل، ومحاولة دمجها تحت قيادة أكثر ارتباطاً بالرياض، وبناء تحشيدات جديدة في الساحل الغربي، كلها تشير إلى محاولة سعودية لإنشاء أدوات عسكرية جديدة بعد تراجع فاعلية الصيغ السابقة.
لكن استمرار الضربات في اللحظة التي يجري فيها بناء هذه القوة يضع الاستراتيجية السعودية أمام اختبار مبكر: هل تستطيع الرياض تحويل التحشيد إلى قدرة هجومية فعلية، أم أن قوات صنعاء ستتمكن من استنزاف القوة قبل استخدامها؟
وإذا استمر نمط الاستهداف الحالي، فإن الاحتمال الأخطر بالنسبة للتحالف هو أن تدخل القوات مرحلة المواجهة البرية وهي تعاني أصلاً من تراجع في الجاهزية، واضطراب في القيادة والسيطرة، واستنزاف في مخازن السلاح ووسائل الإمداد.
وعليه يمكن القول:
المؤشرات المتاحة تجعل من الصعب قراءة الضربات على المخا والوديعة ومأرب باعتبارها عمليات منفصلة. فهي جزء من استراتيجية أوسع لتعطيل التحشيدات السعودية قبل تحولها إلى عملية هجومية، مع التركيز على البنية التي تجعل هذه القوات قادرة على شن الحرب، وليس على أفرادها فقط.
وفي هذا السياق، تبدو المخا الحلقة الأكثر حساسية؛ لأنها تجمع بين الموقع الاستراتيجي، والتحشيد البري والبحري، وارتباطها بالفصائل التي يجري إعادة تنظيمها تحت المظلة السعودية. ولذلك فإن استمرار ضربها لا يعني بالضرورة أن صنعاء تستعد فوراً للسيطرة عليها، بقدر ما يعني أنها تسعى إلى حرمان السعودية من استخدامها كمنصة لإطلاق تصعيد جديد.
وبالتالي، فإن المعركة الحالية قد تكون في جوهرها معركة على القدرة على المبادرة: السعودية تحاول بناء قوة هجومية جديدة في الساحل الغربي، بينما تعمل صنعاء على استنزاف هذه القوة وتعطيل قيادتها وإمدادها قبل أن تصبح جاهزة للتحرك. وإذا استمر هذا النمط، فقد تتحول التحشيدات التي كان يفترض أن تكون مقدمة لهجوم سعودي إلى عبء عسكري واستنزافي يفرض على الرياض إعادة حساباتها قبل اتخاذ قرار التصعيد البري.