“تقرير“| من تفكيك الانتقالي إلى استنزافه في الشمال.. ماذا تريد السعودية من تحريك فصائل الجنوب..!

7٬995

أبين اليوم – تقارير 

بعد ساعات من إعلان ما يعرف بـ«مجلس الدفاع الوطني» الذي يقوده رشاد العليمي من العاصمة السعودية توسيع رقعة التصعيد في اليمن، بدأت الرياض ترجمة القرار ميدانياً عبر توجيه قائد فصائلها في عدن، حمدي شكري، ببدء التحرك، في خطوة تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة تشكيل الخريطة العسكرية في المحافظات الجنوبية.

من القرار السياسي إلى التحرك الميداني:

سبقت اجتماع «مجلس الدفاع الوطني» تحركات أمريكية ـ سعودية استهدفت ضمان انخراط الفصائل الجنوبية في مسار التصعيد. وفي هذا السياق، عقد القائم بالأعمال الأمريكي لدى اليمن نيل هوب لقاءً مع نائب رئيس المجلس الانتقالي أبو زرعة المحرمي، حيث تحدث بيان للسفارة الأمريكية عن ضرورة الحفاظ على الوحدة اليمنية والانخراط في مواجهة ما وصفه بـ«تهديدات الحوثيين».

وبعد ساعات من اجتماع الرياض، كُلّف قائد الفصائل الجديد في عدن حمدي شكري ببدء التحرك، في مؤشر على الانتقال من مرحلة الضغط السياسي إلى التنفيذ العسكري.

وشرع شكري، وفق المعطيات المتداولة، برفع علم الجمهورية اليمنية في مقر المنطقة العسكرية الرابعة، واستدعاء عدد من قادة الفصائل في الجبهات، ولا سيما جبهة تعز، في خطوة لافتة بعد سنوات من بقاء هذه القوات خارج إطار تحرك عسكري موحد.

ولا تبدو هذه الإجراءات منفصلة عن إعادة ترتيب السعودية لبنية القوى العسكرية في الجنوب، خصوصاً بعد التحولات التي شهدتها عدن والمحافظات الجنوبية خلال الأشهر الماضية، والتي حاولت الرياض خلالها تقليص نفوذ المجلس الانتقالي والقوى المرتبطة بالإمارات، وإعادة دمج وحدات وفصائل متعددة ضمن تشكيلات أكثر ارتباطاً بها.

لماذا الجنوب الآن؟:

تقول المعطيات إن الرياض لا تنظر إلى التصعيد الجديد باعتباره مجرد تحرك عسكري ضد صنعاء، بل كفرصة لإعادة هندسة المعسكر الجنوبي نفسه.

فإدخال القوات الجنوبية إلى جبهات الشمال يعني عملياً نقل جزء كبير من القوة العسكرية التي كانت تمثل رصيداً محلياً داخل الجنوب إلى ساحات استنزاف بعيدة عن مناطق نفوذها الأصلية.

وتبرز هنا ثلاثة أهداف رئيسية محتملة للخطوة السعودية.

– أولها: استنزاف الفصائل التي لا تزال تحتفظ بدرجة من الاستقلال عن القرار السعودي، وفي مقدمتها التشكيلات التي تأسست بدعم إماراتي، بما يجعل الحرب وسيلة لإعادة ضبط موازين القوة داخل الجنوب من دون الدخول في مواجهة مباشرة معها.

ثانيها: التخلص من فائض السلاح والقوة العسكرية المتراكمة لدى بعض الفصائل الجنوبية. فبدلاً من محاولة نزع هذه الأسلحة بصورة مباشرة، يمكن للرياض دفع جزء منها إلى جبهات مفتوحة تتكفل المعارك باستنزافها، أو إخضاعها تدريجياً لمنظومة قيادة وسيطرة جديدة.

وثالثها، وهو الأهم سياسياً، إعادة احتواء ما تبقى من نفوذ التيار المرتبط بعيدروس الزبيدي. فإثارة مخاوف الفصائل الجنوبية من عودة صنعاء إلى التقدم نحو الجنوب يمكن أن توفر للرياض أداة ضغط قوية لدفع تلك الفصائل إلى القتال ضمن ترتيباتها، حتى وإن كانت غير راغبة في ذلك.

من التفكيك الهادئ إلى الاستنزاف المباشر:

خلال الفترة الماضية، اتبعت السعودية مساراً تدريجياً لإعادة تشكيل القوى الجنوبية، عبر إعادة توزيع الولاءات، وتوسيع نفوذ تشكيلاتها العسكرية، وتقليص مساحة الحركة أمام الفصائل المحسوبة على أبوظبي. وكان الهدف تفكيك مراكز القوة المنافسة بأقل قدر ممكن من الاحتكاك المباشر.

لكن التطورات الأخيرة وفرت للرياض فرصة مختلفة: إعادة تدوير الصراع نفسه كأداة لإعادة ترتيب الجنوب.

فبدلاً من مواجهة الفصائل الرافضة للهيمنة السعودية في عدن أو حضرموت أو شبوة، يمكن دفعها إلى جبهات الشمال تحت عنوان مواجهة صنعاء. وهناك تصبح القوة العسكرية التي كانت تمثل مصدر قلق للرياض قوة مستنزفة في حرب مفتوحة، بينما تتولى السعودية إعادة بناء موازين القوة داخل الجنوب بالتوازي.

التوقيت يكشف الحسابات السعودية:

يكتسب التحرك أهمية أكبر بالنظر إلى توقيته. فالسعودية تواجه في الوقت نفسه ضغوطاً عسكرية متزايدة نتيجة العمليات التي تستهدف تحشيداتها ومصالحها، بينما تحاول منع انتقال التصعيد إلى مستويات أوسع في البحر الأحمر والعمق السعودي.

ومن هذه الزاوية، فإن فتح جبهات جديدة في الشمال لا يمثل فقط محاولة لزيادة الضغط على صنعاء، بل يسعى أيضاً إلى إعادة توزيع كلفة الحرب عبر إدخال قوى جنوبية إضافية إليها. وكلما اتسعت دائرة المشاركين، أصبحت الرياض أقل تعرضاً لتحمل العبء المباشر وحدها.

كما أن استدعاء قادة الجبهات وبدء إعادة تنشيط المنطقة العسكرية الرابعة يحملان رسالة سياسية تتجاوز البعد العسكري: السعودية تريد تحويل الفصائل الجنوبية من قوى ذات مشاريع وأجندات متباينة إلى أدوات عسكرية تعمل ضمن قيادة واحدة، وتحديداً ضمن البنية التي يجري تشكيلها تحت نفوذها.

وعليه يمكن القول:

التحرك السعودي لا يبدو، وفق هذه القراءة، مجرد قرار بفتح جبهة جديدة ضد صنعاء، بل جزءاً من عملية أوسع لإعادة هندسة القوة العسكرية والسياسية في جنوب اليمن.

فالرياض تحاول استثمار التصعيد القائم لتحقيق هدفين متوازيين: الضغط على صنعاء من جهة، واستكمال تفكيك مراكز القوة الجنوبية المنافسة من جهة أخرى.

وإذا نجحت الخطة، فقد تجد الفصائل الجنوبية نفسها أمام معادلة صعبة: إما الانخراط في الحرب تحت قيادة سعودية جديدة، أو مواجهة خطر فقدان ما تبقى من نفوذها وسلاحها في الجنوب.

أما إذا فشلت الرياض في تحقيق هذا الاحتواء، فقد يؤدي دفع قوى جنوبية جديدة إلى جبهات الشمال إلى نتيجة عكسية، تتمثل في توحيد خصومها داخل الجنوب ضد مشروعها، بدلاً من تفكيكهم.

وبذلك، فإن المعركة المقبلة لن تكون بالضرورة مجرد مواجهة بين صنعاء والقوى المدعومة سعودياً؛ بل قد تكون أيضاً معركة على مستقبل القوة العسكرية في الجنوب، ومن يملك قرارها بعد انتهاء التصعيد.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com