كاتب سعودي: تحركات بن سلمان في اليمن «حلم إبليس في الجنة».. وعالم مغربي: اليمن جبهة تؤرق العدو..!

5٬990

أبين اليوم – خاص 

تصاعدت الانتقادات العربية لاستئناف السعودية الحرب على اليمن، وسط تحذيرات من توظيف جماعات مسلحة وتيارات إسلامية في معركة يُنظر إليها باعتبارها جزءاً من صراع إقليمي أوسع مرتبط بالحرب على غزة.

وحذر الباحث والكاتب السياسي السعودي فؤاد إبراهيم من مساعٍ إقليمية ودولية تقودها الرياض لتكرار نماذج التدخل العسكري التي شهدتها ليبيا وسوريا في اليمن، واصفاً هذه التطلعات بأنها «حلم إبليس في الجنة»، في إشارة إلى اعتقاده باستحالة إسقاط تلك التجارب على الحالة اليمنية.

وقال إبراهيم، المقيم في بريطانيا، في منشور على منصة «إكس»، إن تفاعل مقاتلي تنظيمي «النصرة» و«القاعدة» في سوريا مع قضية اليمن واستعدادهم للقتال هناك يكشف، بحسب رؤيته، عن انحراف بوصلة الجماعات السلفية المسلحة بمختلف أطيافها بعيداً عن القضية الفلسطينية.

وأشار إلى أن أجزاء من جنوب سوريا لا تزال تحت الاحتلال الإسرائيلي، بينما تتركز تحركات هذه الجماعات ضد دول عربية وإسلامية بدلاً من مواجهة الاحتلال، متهماً إياها بالتحول إلى «جنود للإيجار» لخدمة أجندة أمريكية عبر مسارح عمليات متعددة، من أفغانستان والعراق إلى ليبيا وسوريا واليمن.

وفي السياق ذاته، انتقد رئيس رابطة علماء المغرب، الحسن بن علي الكتاني، حالة الفرح لدى بعض العلماء والعاملين في المجال الإسلامي بانهيار الهدنة في اليمن وعودة القتال، متسائلاً عن أسباب الاحتفاء بضياع جبهة قال إنها كانت «تشغل العدو المحتل وأزعجته».

وقال الكتاني إن تضخم الطائفية على حساب الدين قد يؤدي إلى اعتبار «الخيانة جهاداً» والعمل مع الخصوم مجرد «تقاطع مصالح»، كما رفض اتهام العلماء الذين ينتقدون سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالتحالف مع إيران، واصفاً هذا الخطاب بأنه «أسلوب رخيص».

من جانبه، قال الباحث الفلسطيني صالح أبو عزة إن السعودية شددت حصارها على اليمن بالتزامن مع بدء العمليات اليمنية المساندة لغزة، معتبراً أن الهدف هو الضغط على صنعاء لمنعها من الانخراط عسكرياً في الحرب بما يؤثر على المسار الإسرائيلي والأمريكي ضد الفلسطينيين.

وأضاف أبو عزة أن الرياض، وفقاً لتقديره، جمدت خارطة الطريق الخاصة بإنهاء الحصار عن اليمن، والتي سبق الاتفاق عليها بين الأطراف، مشترطةً عدم تدخل صنعاء لصالح غزة، مشيراً إلى أن الحرب الحالية، بحسب وصفه، تحظى بمشاركة قوى سلفية وإخوانية وبدعم أمريكي وإسرائيلي.

تحليل:

ما يجري في اليمن ليس استئنافاً لحرب قديمة، بل إعادة تدوير لها في مختبر إقليمي أكثر اتساعاً وضراوة، حيث تختلط الحسابات السعودية بتموضعات أمريكية وإسرائيلية، وتتحول غزة من قضية مركزية إلى مجرد خلفية لتصفية حسابات إقليمية.

لقد كشفت عودة القصف والتصعيد أن الرياض لم تتعلم من فشل تدخلها الأول، بل راهنت هذه المرة على تحويل اليمن إلى أداة ضغط مزدوجة: عسكرية ضد صنعاء، ورمزية ضد كل قوة عربية أو إسلامية ترى في غزة بوصلة لا تقبل المساومة.

ومن هنا تحديداً تنبع خطورة اللحظة؛ فالحرب على اليمن لم تعد مجرد محاولة لكسر جبهة إسناد غزة، بل أصبحت اختباراً لمدى استعداد الأنظمة الخليجية لتوظيف كل ما تملكه من نفوذ مالي وطائفي وأمني لإعادة رسم خرائط الولاء في المنطقة، حتى لو كان الثمن تفكيك ما تبقى من شرعية النظام العربي ذاته.

أما الحديث عن إقحام جماعات سلفية وإخوانية في الجبهة اليمنية، فهو اعتراف صريح بأن المعركة لم تعد يمنية ولا حتى خليجية، بل ساحة تصفية متبادلة بين أدوات متصارعة لا يملك أي منها مشروعاً وطنياً، بل مجرد تفويضات خارجية متضاربة.

والذين يحتفلون اليوم بعودة القتال في اليمن إنما يحتفلون بتحويل الموت إلى وقود جيوسياسي، وبتحويل المجاهد السابق إلى مرتزق محتمل، وبتحويل العالم الإسلامي إلى سوق مفتوح لتأجير الدم.

هذا الانحدار ليس مجرد انحراف أخلاقي، بل سقوط سياسي كامل؛ إذ تصبح “الخيانة جهاداً” حين تتحكم الطائفية في البوصلة، ويصبح “التقاطع مع العدو” حكمة براغماتية حين يغيب المشروع التحرري. وما يجري في اليمن اليوم هو لحظة انكشاف كبرى: انكشاف لأنظمة تفضل أمنها القلق مع الاحتلال على سيادتها المشروطة بالمقاومة، وانكشاف لجماعات تدعي الدين وهي تتقاتل على فتات الأجندات.

وإذا كان لنا أن نقرأ المشهد بلا مواربة، فإن اليمن اليوم يُعاد محاولة احتلاله من الداخل، بعد أن عجز الاحتلال الخارجي عن كسره. والذين يظنون أن تحييد صنعاء عن غزة ممكن عبر الحصار والقصف والتمويل الطائفي، يراهنون على وهم قديم: أن الشعوب يمكن أن تنسى جرحها المركزي إذا ما أُدميت في خاصرتها.

لكن التاريخ القريب يثبت العكس؛ فكل حرب على اليمن زادته التصاقاً بفلسطين، وكل حصار على صنعاء رفع كلفة الرهان على الإملاءات الخارجية. إن المعركة في اليمن ليست معركة حدود أو نفوذ، بل معركة تعريف للانتماء: هل تبقى غزة بوصلة الشعوب، أم تتحول إلى مجرد ورقة في صفقات الأنظمة؟

والجواب اليمني، كما تدل كل المؤشرات، لن يكون بالصمت، بل بالمزيد من الانخراط في جبهة تجاوزت الجغرافيا لتسكن الوجدان، وفي ذلك أبلغ رد على كل من راهن على أن الحديد والإذلال يمكن أن يطفئا جمرة القضية.

 

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com