“عدن“| إسقاط 30 ألف مجند جنوبي من كشوفات الراتب السعودي..الرياض تعيد تشكيل القوة عبر بوابة الرواتب..!

5٬806

أبين اليوم – خاص 

كشفت تطورات جديدة عن خطوة سعودية مثيرة للجدل في جنوب اليمن، وُصفت بأنها “مجزرة وظيفية” استهدفت آلاف العناصر المنضوية ضمن الفصائل الجنوبية.

ووفقاً لما أورده الصحفي الجنوبي فتحي بن لزرق، فإن لجنة سعودية مكلّفة بتدقيق كشوفات الأفراد والضباط في عدن قامت بإسقاط نحو 15 ألف اسم بدعوى “التكرار”، إضافة إلى قرابة 14 ألف اسم آخر بحجة ارتباطهم بألوية متعددة أو وجودهم خارج البلاد أو كونهم أسماء وهمية.

وأشار إلى أن هذه الأسماء كانت تتقاضى مرتبات تصل إلى ألف ريال سعودي، في وقت تتزامن فيه هذه الإجراءات مع احتجاجات نفذها عناصر جنوبيون داخل قاعدة سعودية في عدن خلال الأسبوع الماضي.

وتأتي هذه الخطوة بالتوازي مع تحركات سعودية أوسع لإعادة ترتيب المشهد العسكري في المناطق التي كانت خاضعة لنفوذ الإمارات، في مؤشر على توجه لتقليص أعداد المقاتلين غير الموثوق بولائهم، مقابل تمكين تشكيلات جديدة تخضع لإشراف مباشر من الرياض، وعلى رأسها قوات “درع الوطن” التي أُسندت إليها إدارة الملف الأمني في عدن.

تحليل:

ما تصفه بعض الأطراف بـ“المجزرة الوظيفية” هو في جوهره إعادة هيكلة قسرية لمنظومة القوة في الجنوب، باستخدام أداة تبدو إدارية (التدقيق المالي) لكنها تحمل وظيفة سياسية-أمنية عميقة.

فالسعودية لا تستهدف فقط تنظيف كشوفات الرواتب من الأسماء الوهمية، بل تسعى إلى إعادة تعريف من يستحق أن يكون جزءاً من القوة المسلحة أصلاً.

آلية “الإسقاط الجماعي” للأسماء تكشف اعتماد الرياض على ما يمكن تسميته “التحكم عبر الاقتصاد”: من يخرج من كشف الرواتب يخرج تلقائياً من دائرة الفعل العسكري.

بهذه الطريقة، تتحول الرواتب إلى أداة فرز ولاء، وليس مجرد استحقاق مالي. وهذا يتيح للسعودية تفكيك البنية القديمة للفصائل—التي تشكلت في ظل رعاية إماراتية—دون الدخول في مواجهة مباشرة معها.

لكن هذا النهج يحمل مخاطر عالية؛ إذ إن شطب عشرات الآلاف من الأسماء دفعة واحدة لا يعني فقط تقليص فائض بشري، بل يعني أيضاً إنتاج كتلة غاضبة ومهمّشة تمتلك خبرة قتالية وشبكات ارتباط محلية. هذه الكتلة قد تتحول إلى عامل عدم استقرار، أو تُعاد تعبئتها من قبل أطراف منافسة، وعلى رأسها القوى المرتبطة بالإمارات أو حتى قوى محلية تسعى لاستثمار حالة السخط.

في المقابل، تمكين قوات مثل “درع الوطن” يعكس محاولة سعودية لبناء نموذج بديل قائم على قوات مركزية أكثر انضباطاً وارتباطاً مباشرًا بالرياض، بدلاً من الفصائل اللامركزية متعددة الولاءات. إلا أن نجاح هذا النموذج مرهون بقدرته على ملء الفراغ الذي يخلّفه تفكيك البنية السابقة، وهو أمر معقد في بيئة قبلية-سياسية مثل الجنوب، حيث الولاء لا يُشترى فقط بالراتب، بل يُبنى عبر التوازنات المحلية والرمزية.

الخلاصة أن ما يجري ليس مجرد “تنظيف كشوفات”، بل إعادة إنتاج للسلطة العسكرية من الصفر. غير أن هذا المسار، رغم ما يوفره من سيطرة على المدى القصير، قد يفتح على المدى المتوسط باباً لفوضى كامنة، إذا لم يُدار بآليات تضمن امتصاص الصدمة الاجتماعية والأمنية التي يخلّفها إقصاء هذا العدد الكبير من المقاتلين.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com