“عدن“| رفض الدمج ورفع أعلام الانفصال.. هل تخلّت السعودية عن اجتثاث الانتقالي لصالح إعادة هندسته..!
أبين اليوم – خاص
تواصل الفصائل العسكرية والأمنية الموالية للمجلس الانتقالي الجنوبي في مدينة عدن إظهار تمسكها بالهوية الانفصالية ورفضها الانخراط الكامل ضمن وزارتي الدفاع والداخلية التابعتين للحكومة الموالية للرياض، في مؤشر على تعثر مساعي إعادة هيكلة التشكيلات المسلحة جنوب اليمن وفق الرؤية السعودية.
وأكدت مصادر مطلعة أن قوات “الأمن الوطني” المعروفة سابقاً باسم “الحزام الأمني” لا تزال تمارس مهامها وتحركاتها العسكرية تحت أعلام الانفصال وشعارات المجلس الانتقالي، رغم القرارات السعودية المعلنة بشأن دمج الفصائل المسلحة وإعادة تنظيمها ضمن مؤسسات الحكومة التابعة للتحالف.
ويأتي ذلك بالتوازي مع استمرار قائد القوات الخاصة عبدالسلام الجمالي في رفع أعلام الانفصال خلال الاجتماعات والفعاليات الرسمية مع قادة قواته، في مشهد بات يتكرر داخل مؤسسات أمنية وعسكرية وحتى في بعض المرافق التابعة للسلطة المحلية بعدن، وسط صمت لافت من الحكومة والجانب السعودي.
وترى مصادر سياسية أن الرياض لم تعد تتعامل مع المجلس الانتقالي بوصفه خصماً ينبغي إنهاؤه أو اجتثاثه كما كان يُعتقد خلال الفترة الماضية، بل اتجهت نحو سياسة أكثر مرونة تقوم على احتواء المجلس وإعادة تشكيله سياسياً وعسكرياً بما يتوافق مع المصالح السعودية في جنوب اليمن.
وأضافت المصادر أن التحركات السعودية الحالية تهدف إلى إنتاج نسخة جديدة من الانتقالي أقل ارتباطاً بالمشروع الإماراتي وأكثر تقاطعاً مع الرؤية السعودية، مع الحفاظ على دوره كقوة محلية قادرة على إدارة التوازنات الأمنية والعسكرية في المحافظات الجنوبية.
وفي المقابل، تبدو السياسة السعودية أكثر تشدداً في محافظة حضرموت، حيث تواصل الرياض، وفق المصادر، عمليات تفكيك وإعادة هيكلة الفصائل الموالية للانتقالي، من خلال تسريح عدد من العسكريين ودمج وحدات مسلحة ضمن تشكيلات أخرى موالية لها بشكل مباشر.
ويرى مراقبون أن التباين بين أسلوب الرياض في عدن وحضرموت يعكس اختلاف الحسابات الاستراتيجية لكل منطقة؛ فعدن تمثل مركز النفوذ السياسي والعسكري للانتقالي، ما يجعل الصدام المباشر معه محفوفاً بالمخاطر، بينما تسعى السعودية في حضرموت إلى بناء نفوذ أكثر استقلالاً بعيداً عن الهيمنة الإماراتية.
تحليل:
تكشف التطورات الأخيرة أن الصراع داخل المعسكر الموالي للتحالف لم يعد يدور حول بقاء الانتقالي أو إنهائه، بل حول هوية الجنوب ومن يملك قرار تشكيل القوى المسلحة فيه. فالسعودية تبدو مدركة أن اجتثاث الانتقالي بالقوة قد يفجر مواجهة واسعة في عدن وبقية المحافظات الجنوبية، لذلك انتقلت من خيار “التصفية” إلى خيار “إعادة الهندسة”.
لكن تمسك الفصائل برفع أعلام الانفصال ورفض الذوبان الكامل داخل مؤسسات الحكومة يكشف أيضاً أن الانتقالي لا يزال يحتفظ بهامش قوة ومناورة، مستنداً إلى نفوذ عسكري وشبكات ولاء محلية يصعب تفكيكها سريعاً.
وفي المقابل، تحاول الرياض تفكيك هذا النفوذ تدريجياً عبر إعادة توزيع القيادات وخلق مراكز قوة بديلة، خصوصاً في حضرموت الغنية بالنفط والتي تمثل مفتاح الهيمنة على شرق اليمن.
وفي حال استمرت هذه السياسة المزدوجة، فإن الجنوب قد يتجه نحو مرحلة جديدة من الصراع الصامت بين مشاريع النفوذ الإقليمية، حيث تتحول عملية “الدمج وإعادة الهيكلة” إلى أداة لإعادة رسم موازين القوة أكثر من كونها مشروعاً لبناء مؤسسات دولة موحدة.