“تقرير“| من الشراكة إلى الاجتثاث.. لماذا قررت السعودية إزاحة المجلس الانتقالي الجنوبي بعد سنوات من دعمه..!

7٬996

أبين اليوم – تقارير 

أثار التحول السعودي الأخير تجاه المجلس الانتقالي الجنوبي تساؤلات واسعة بشأن الدوافع الحقيقية التي دفعت الرياض إلى الانتقال من موقع الداعم والمتسامح مع تمدده إلى موقع الساعي لإنهاء نفوذه السياسي والعسكري بشكل شبه كامل.

فالمجلس الذي ظل لسنوات أحد أبرز مخرجات الحرب التي قادها التحالف على اليمن، بات اليوم يواجه حملة منظمة تستهدف وجوده ومراكز قوته في مختلف المحافظات الجنوبية.

ومع انطلاق العمليات العسكرية للتحالف بقيادة السعودية في مارس 2015، وما أعقبها من سيطرة القوات المدعومة من التحالف على مدينة عدن، بدأت الإمارات العمل على إنشاء كيان سياسي وعسكري موالٍ لها في الجنوب.

ومن رحم تلك الترتيبات ولد المجلس الانتقالي الجنوبي الذي استقطب شخصيات وقيادات عسكرية وأمنية جرى تهميشها أو إقصاؤها من السلطة التابعة للرئيس عبد ربه منصور هادي.

وخلال فترة قصيرة تمكن المجلس من بناء قاعدة نفوذ واسعة مستندًا إلى الدعم المالي والعسكري الإماراتي، قبل أن يحقق أهم إنجازاته الميدانية في أغسطس 2019 عندما سيطرت قواته على مدينة عدن وأطاحت فعليًا بحكومة هادي من العاصمة المؤقتة في عملية جرت بإشراف ودعم إماراتي مباشر.

ورغم أن تلك الخطوة مثلت انقلابًا واضحًا على السلطة التي كانت السعودية تقدم نفسها بوصفها الراعي الرسمي لها، إلا أن الرياض لم تتخذ أي إجراءات حاسمة ضد المجلس، بل اكتفت بإدارة الأزمة سياسيًا. كما تغاضت عن الضربات الإماراتية التي استهدفت قوات موالية لها أثناء محاولتها استعادة المدينة، الأمر الذي كشف حينها حجم التنسيق بين الرياض وأبوظبي في إدارة المشهد الجنوبي.

ولم يقتصر الموقف السعودي على الصمت أو التغاضي، بل تجاوز ذلك إلى توفير غطاء سياسي للمجلس الانتقالي عبر اتفاق الرياض وما تلاه من ترتيبات منحت المجلس شرعية غير مسبوقة. فقد حصل على تمثيل واسع داخل الحكومة ومجلس القيادة الرئاسي، وأصبح شريكًا رسميًا في إدارة المناطق الخاضعة لسيطرة التحالف.

في تلك المرحلة كانت السعودية تنظر إلى المجلس باعتباره ورقة يمكن توظيفها في الحرب، خصوصًا بعد سنوات من التعثر العسكري. وكانت التقديرات داخل التحالف تشير إلى إمكانية الاستفادة من القوة العسكرية التي بنتها الإمارات في الجنوب من أجل تعزيز الجبهات الشمالية وتعويض الإخفاقات المتراكمة في مواجهة صنعاء.

غير أن حسابات الميدان والسياسة لم تسر وفق ما خُطط لها. فمع مرور الوقت بدأت تظهر تباينات جوهرية بين السعودية والإمارات بشأن مستقبل المناطق الجنوبية والشرقية، وتحديدًا المحافظات الغنية بالنفط والغاز، فضلًا عن الموانئ والمواقع الاستراتيجية المطلة على البحر العربي وخليج عدن.

ومنذ عام 2019 أخذت الخلافات بين الحليفين تتسع تدريجيًا رغم محاولات احتوائها عبر اللقاءات والتفاهمات السياسية. إلا أن الملفات الجوهرية المتعلقة بتقاسم النفوذ والثروة والمواقع الحيوية ظلت عالقة دون حلول حقيقية، الأمر الذي أبقى أسباب الصراع قائمة وقابلة للانفجار في أي لحظة.

وخلال السنوات التالية استمرت أبوظبي والرياض في إدارة خلافاتهما خلف الأبواب المغلقة، غير أن المشهد شهد تحولًا كبيرًا مع نهاية العام الماضي عندما قررت الإمارات الانتقال من مرحلة المناورة السياسية إلى مرحلة فرض الوقائع الميدانية، عبر تحركات واسعة لفصائلها في المحافظات الشرقية، وفي مقدمتها حضرموت والمهرة.

وشكلت تلك التحركات نقطة فاصلة في العلاقة بين الطرفين، إذ اعتبرت السعودية أن ما يجري يمثل محاولة إماراتية لفرض هيمنة كاملة على المناطق الأكثر أهمية من الناحية الاقتصادية والجيوسياسية. ولهذا جاء الرد السعودي سريعًا وحاسمًا من خلال تحركات عسكرية وأمنية واسعة نجحت في تقليص نفوذ الفصائل الموالية لأبوظبي وإعادة رسم خريطة السيطرة في تلك المناطق.

ومع اتساع دائرة المواجهة غير المعلنة، اتجهت الأنظار إلى مصير المجلس الانتقالي باعتباره الأداة الرئيسية للمشروع الإماراتي في جنوب اليمن. غير أن السعودية لم تلجأ في البداية إلى خيار المواجهة المباشرة، بل حاولت تفكيك المجلس من الداخل عبر استقطاب شخصيات وقيادات محسوبة عليه، مستفيدة من التباينات المناطقية والتنافس التاريخي بين القوى الجنوبية.

وراهنت الرياض بصورة خاصة على تشكيل تيار جنوبي موالٍ لها داخل المجلس يمكنه تقويض نفوذ القيادة التقليدية التي تتركز قوتها في الضالع، مستفيدة من حالة التنافس التاريخي بين عدد من المكونات الجنوبية. كما منحت بعض القيادات المقيمة في الرياض امتيازات سياسية ومالية واسعة على أمل جذبها إلى مشروعها الجديد.

إلا أن تلك المحاولات لم تحقق النتائج التي كانت تأملها السعودية. فبعد أشهر طويلة من العمل السياسي والأمني لم تتمكن الرياض من إنتاج انقسام حقيقي داخل المجلس، كما فشلت في استقطاب قيادات مؤثرة قادرة على إحداث تحول جوهري في بنيته التنظيمية والعسكرية.

وأمام هذا الإخفاق يبدو أن السعودية توصلت إلى قناعة بأن خيار الاحتواء لم يعد مجديًا، وأن استمرار المجلس الانتقالي بصورته الحالية يمثل تهديدًا مباشرًا لمصالحها وخططها المستقبلية في اليمن. ومن هنا بدأت مرحلة جديدة عنوانها الانتقال من سياسة الاحتواء إلى سياسة الاجتثاث.

وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الرياض تتحرك حاليًا على أكثر من مسار متزامن لتحقيق هذا الهدف. فمن جهة تدفع بقوى جنوبية منافسة إلى الواجهة، وفي مقدمتها التيار المرتبط بوزير الداخلية الأسبق أحمد الميسري، ومن جهة أخرى تعمل على تجفيف الموارد المالية والسياسية للمجلس عبر إجراءات تستهدف قياداته وشبكاته التنظيمية.

كما تترافق هذه التحركات مع عمليات إعادة هيكلة داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية في المحافظات الجنوبية، بما يؤدي إلى تقليص نفوذ العناصر المرتبطة بالمجلس وإبعادها تدريجيًا عن مواقع القرار والتأثير.

وبذلك لم تعد المعركة تدور حول احتواء الانتقالي أو إعادة توجيهه، بل حول إنهاء دوره كقوة منظمة قادرة على تمثيل المشروع الإماراتي في جنوب اليمن، وفتح المجال أمام ترتيبات سياسية وأمنية جديدة تتوافق بصورة أكبر مع الرؤية السعودية للمرحلة المقبلة.

تحليل:

تكمن أهمية هذا التحول في أن السعودية لا تخوض معركة ضد المجلس الانتقالي بحد ذاته، بل ضد الإرث السياسي والعسكري الذي بنته الإمارات منذ بداية الحرب. فالرياض تدرك أن أي تسوية شاملة في اليمن ستؤدي تلقائيًا إلى إعادة توزيع النفوذ داخل الجنوب، وأن وجود قوة جنوبية مسلحة تمتلك مشروعًا سياسيًا مستقلًا وعلاقات خارجية متشعبة سيجعل من الصعب عليها فرض رؤيتها للمرحلة القادمة.

لذلك تبدو حملة الاجتثاث الحالية جزءًا من عملية أوسع لإعادة هندسة المشهد الجنوبي بالكامل قبل الوصول إلى التسوية النهائية. كما أن استهداف الانتقالي يحمل رسالة مباشرة لأبوظبي مفادها أن مرحلة تقاسم النفوذ قد انتهت، وأن السعودية تسعى للانتقال من موقع الشريك إلى موقع المهيمن الوحيد على القرار السياسي والأمني في المناطق الخاضعة لنفوذ التحالف.

وإذا استمرت هذه السياسة حتى نهايتها، فإن الجنوب اليمني قد يكون مقبلًا على أكبر عملية إعادة تشكيل للقوى المحلية منذ اندلاع الحرب، بما قد يفتح الباب أمام صراعات جديدة على تمثيل الجنوب ومستقبل السلطة فيه، حتى بعد توقف الحرب نفسها.

كما أن ما يجري لا يعكس خلافًا عابرًا بين السعودية والمجلس الانتقالي، بل يمثل تحولًا استراتيجيًا في نظرة الرياض إلى المشروع الإماراتي برمته في جنوب اليمن. فالسعودية التي قبلت سابقًا بوجود الانتقالي كأداة تخدم أهداف التحالف، باتت تنظر إليه اليوم باعتباره مركز نفوذ إماراتيًا مستقلًا يهدد قدرتها على التحكم بمسار التسوية المقبلة وشكل السلطة في المناطق الجنوبية.

ومن هذا المنطلق، فإن قرار اجتثاث المجلس لا يستهدف قياداته فحسب، بل يستهدف البنية السياسية والعسكرية التي بنتها أبوظبي خلال أكثر من عقد على امتداد السواحل والموانئ والجزر الاستراتيجية.

والأهم أن الرياض تبدو وقد حسمت قناعتها بأن أي تسوية مستقبلية في اليمن لن تكون قابلة للحياة ما دامت هناك قوة جنوبية منظمة تمتلك مشروعًا سياسيًا وعسكريًا مستقلًا خارج إرادتها.

لذلك فإن المعركة الحالية تتجاوز الصراع على النفوذ داخل عدن أو حضرموت، لتصبح صراعًا على من يرسم خريطة جنوب اليمن في مرحلة ما بعد الحرب، ومن يمتلك حق الوصاية على أحد أهم المواقع الجيوسياسية المطلة على باب المندب والبحر العربي.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com