هزيمة تتجاوز فيتنام.. مجلة “فورين بوليسي“ و“نيويورك تايمز“ تكشفان كلفة حرب إيران وانكسار الهيبة الأمريكية..!
أبين اليوم – وكالات
رأت وسائل إعلام أمريكية بارزة أن الحرب التي خاضتها الولايات المتحدة ضد إيران تحولت إلى واحدة من أكبر الإخفاقات الاستراتيجية في التاريخ الأمريكي الحديث، معتبرة أن تداعياتها قد تكون أشد وطأة وأكثر استدامة من تلك التي خلفتها حرب فيتنام، رغم الفارق الكبير في حجم الخسائر البشرية بين الحربين.
وفي هذا السياق، وصفت مجلة فورين بوليسي المواجهة مع إيران بأنها هزيمة استراتيجية قاسية لواشنطن، مؤكدة أن الإدارة الأمريكية دخلت الحرب بهدف إخضاع طهران وإعادة رسم موازين القوى في المنطقة، إلا أن النتائج جاءت معاكسة تماماً لما كان مخططاً له؛ إذ خرجت إيران أكثر صلابة، بينما تعرض النفوذ الأمريكي وسمعته الدولية لانتكاسة عميقة قد تستمر آثارها لسنوات طويلة.
وأوضح الكاتب بول موسغريف أن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خوض الحرب جاء بصورة فردية رغم الضغوط والتحريض الخارجي، معتبراً أن الانخراط في هذا الصراع أفضى إلى “كارثة استراتيجية” تفوق في أبعادها السياسية والعسكرية ما حدث للولايات المتحدة في فيتنام.
وأشار إلى أن سرعة تطورات الحرب وغياب الأهداف الواقعية أسهما في إخفاء حجم الفشل الحقيقي، خاصة مع محدودية الخسائر البشرية الأمريكية التي لم تتجاوز عشرات الجنود، مقارنة بحروب سابقة. إلا أن انخفاض عدد الضحايا الأمريكيين، بحسب المقال، لا يلغي حجم الخسارة الاستراتيجية التي أصابت واشنطن، ولا يعكس التأثيرات بعيدة المدى التي ترتبت على الصراع.
ولفت موسغريف إلى أن حرب فيتنام تحولت في الوعي الأمريكي إلى رمز لسوء التقدير والغطرسة السياسية، مستشهداً باستطلاعات رأي أظهرت أن غالبية الأمريكيين ينظرون إليها بوصفها صفحة مظلمة في تاريخ بلادهم. ورغم ذلك، فإن الولايات المتحدة تمكنت لاحقاً من تجاوز آثارها والانتصار في الحرب الباردة، بل وتحويل فيتنام إلى شريك سياسي واقتصادي.
أما الحرب ضد إيران، وفقاً للمقال، فقد ألحقت أضراراً مباشرة بالمصالح الاستراتيجية الأمريكية، وأظهرت حدود القوة العسكرية الأمريكية أمام خصم يمتلك أدوات ردع وقدرات على إطالة أمد الصراع واستنزاف خصومه.
وأكدت المجلة أن الحرب كشفت نقاط ضعف في المنظومة العسكرية الأمريكية، رغم التفوق التقني الهائل الذي تتمتع به واشنطن، كما أثارت نجاحات إيران في اختراق بعض أنظمة الدفاع الجوي تساؤلات بشأن فعالية هذه المنظومات في مواجهة الحروب الحديثة.
وفي المقابل، فشلت العمليات العسكرية في تحقيق أهدافها الرئيسية، سواء بإسقاط النظام الإيراني أو إنهاء برنامجه النووي أو تقليص نفوذ الحرس الثوري، الذي خرج أكثر قوة وتماسكاً.
كما تطرقت فورين بوليسي إلى الانعكاسات الاقتصادية والجيوسياسية للحرب، مشيرة إلى أن إيران عززت إدراكها لأهمية موقعها الاستراتيجي وسيطرتها على مضيق هرمز باعتباره ورقة ضغط مؤثرة على الاقتصاد العالمي، في حين واجهت الولايات المتحدة تحديات متزايدة في حماية حرية الملاحة وضمان استقرار أسواق الطاقة والتجارة الدولية.
وفي السياق ذاته، قالت صحيفة نيويورك تايمز إن نتائج الحرب كشفت حدود القوة العسكرية الأمريكية وأفضت إلى هزيمة استراتيجية واضحة، رغم التفوق التكنولوجي والعملياتي الذي يمتلكه الجيش الأمريكي.
وأوضح الكاتب دبليو جيه هينيغان أن الرئيس ترامب تحدث في بداية الحرب عن اقتراب “النصر الحاسم”، غير أن الوقائع الميدانية بعد أشهر من القتال أثبتت عكس ذلك، بعدما عجزت واشنطن عن تحقيق أهدافها الأساسية المتمثلة في إسقاط النظام الإيراني أو القضاء على برنامجه النووي أو تحييد قدراته الصاروخية والطائرات المسيّرة.
وأشار إلى أن الحرب استنزفت الخزانة الأمريكية بمليارات الدولارات دون تحقيق نتائج استراتيجية ملموسة، مؤكداً أن مجرد صمود إيران واستمرار مؤسساتها السياسية والعسكرية في العمل شكل بحد ذاته فشلاً للأهداف الأمريكية المعلنة.
وأضاف أن إيران احتفظت بجزء كبير من قدراتها الصاروخية رغم الضربات المكثفة، كما استمر النظام السياسي في إدارة شؤون الدولة بعد مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، من خلال انتقال السلطة بصورة سريعة ومنظمة، الأمر الذي بدد رهانات واشنطن على انهيار البنية السياسية الإيرانية.
كما لفت هينيغان إلى أن الحرب أثارت مخاوف متزايدة لدى الحلفاء الإقليميين للولايات المتحدة، بعد تحول القواعد والمنشآت الأمريكية المنتشرة في المنطقة إلى أهداف مباشرة للهجمات الإيرانية، الأمر الذي دفع العديد من الشركاء إلى إعادة تقييم جدوى الارتباط الأمني والعسكري بواشنطن.
وتابع أن استنزاف المخزونات العسكرية الأمريكية خلال الحرب كشف عن تحديات كبيرة تواجه القاعدة الصناعية الدفاعية، خاصة مع إقرار مسؤولين أمريكيين بأن إعادة تعويض الأسلحة والذخائر المستهلكة قد تتطلب أشهراً أو حتى سنوات.
وختم الكاتب بالتحذير من أن الصين وروسيا ستنظران إلى نتائج هذه الحرب باعتبارها مؤشراً على تراجع القدرة الردعية للولايات المتحدة، وهو ما قد يشجع خصوم واشنطن على اختبار حدود نفوذها ومكانتها الدولية خلال السنوات المقبلة.
تحليل:
تكشف القراءتان الأمريكيتان عن تحول لافت في تقييم نتائج الحرب؛ إذ لم يعد النقاش مقتصراً على حجم الدمار أو عدد الضحايا، بل انتقل إلى سؤال أكثر عمقاً يتعلق بقدرة الولايات المتحدة على فرض إرادتها السياسية والعسكرية في عالم يتجه نحو تعدد مراكز القوة.
فحين تفشل واشنطن في تحقيق أهدافها رغم تفوقها العسكري والتقني الهائل، فإن الرسالة التي تصل إلى الخصوم والحلفاء على حد سواء تتجاوز حدود ساحة المعركة، لتطال مكانة الولايات المتحدة نفسها كقوة قادرة على الحسم والردع.
ومن هنا تبدو المقارنات المتزايدة مع فيتنام تعبيراً عن مخاوف أمريكية من بداية مرحلة جديدة عنوانها تآكل النفوذ الاستراتيجي وتراجع القدرة على إدارة الأزمات الدولية وفق الشروط الأمريكية التقليدية.