مع رفع الدولار الجمركي.. إيرادات حكومة عدن تتضاعف 3 مرات.. فلماذا يزداد اليمنيون فقراً وتتدهور الخدمات..!

6٬004

أبين اليوم – خاص 

في مفارقة اقتصادية صارخة، شهدت حكومة عدن المدعومة سعودياً خلال العام 2026 قفزة هائلة في إيرادات الدولة، بلغت نحو ثلاثة أضعاف ما كانت عليه خلال العام 2025، وفق إفادات صحفية، وذلك بفعل حزمة من الإجراءات الاقتصادية الأخيرة، وفي مقدمتها رفع سعر الدولار الجمركي، وما ترتب عليه من زيادة كبيرة في حصيلة الرسوم والإيرادات.

لكن هذه الزيادة غير المسبوقة في الموارد العامة لم تنعكس على حياة المواطنين، بل جاءت متزامنة مع تفاقم أوضاعهم المعيشية والخدمية. فما تزال مرتبات موظفي القطاع العام تعاني من عدم الانتظام، فيما تتواصل أزمات الكهرباء والمياه والصحة، دون أن يلمس المواطن أي تحسن يتناسب مع حجم الزيادة الكبيرة في الإيرادات.

وتزداد المفارقة وضوحاً بالنظر إلى أن الإجراءات التي رفعت إيرادات الحكومة فرضت في الوقت نفسه أعباء إضافية على المواطنين، عبر ارتفاع تكاليف السلع والخدمات والأسعار، بما أدى إلى تآكل القوة الشرائية للأسر، في حين بقيت الخدمات الأساسية في حالة تدهور مستمر.

تحليل:

المفارقة هنا لا تكمن في ارتفاع الإيرادات بحد ذاته، وإنما في انفصال نمو الموارد العامة عن مؤشرات التحسن الاقتصادي والاجتماعي. فحين تتضاعف إيرادات السلطة إلى نحو ثلاثة أمثالها، بينما تتراجع القدرة الشرائية وتستمر أزمة المرتبات والكهرباء والمياه والصحة، فإن السؤال ينتقل من: كيف تجمع الحكومة المزيد من الإيرادات؟ إلى: أين تذهب هذه الإيرادات، وكيف يتم إنفاقها؟

والأهم أن جزءاً من هذه الزيادة يبدو مرتبطاً بإجراءات مالية وجمركية يتحمل المواطن كلفتها بصورة مباشرة أو غير مباشرة. أي أن الحكومة تمكنت من توسيع الحصيلة المالية عبر أدوات ترفع تكلفة السلع والمعاملات، دون أن تقابل ذلك بزيادة مماثلة في الأجور أو الخدمات العامة. وبذلك يتحول ارتفاع الإيرادات إلى عبء إضافي على المجتمع بدلاً من أن يكون أداة لتحسين مستوى معيشته.

سياسياً، تفتح هذه المعادلة ملف كفاءة إدارة الموارد والشفافية المالية داخل حكومة عدن، خصوصاً في ظل استمرار العجز الخدمي والاضطراب النقدي وعدم انتظام المرتبات. فالمشكلة لم تعد تبدو مرتبطة فقط بنقص الأموال، وإنما بغياب أثر واضح لهذه الأموال على الاقتصاد الحقيقي وحياة السكان.

ومن هذه الزاوية، فإن الفجوة بين ثلاثة أضعاف الإيرادات مقابل استمرار الانهيار المعيشي قد تتحول إلى واحدة من أكثر نقاط الضغط السياسي حساسية؛ لأنها تمنح الشارع معياراً بسيطاً للمساءلة: إذا كانت الخزينة تحصل على أموال أكثر، فلماذا لا يحصل المواطن على كهرباء أفضل، ومرتبات أكثر انتظاماً، ومياه وصحة وخدمات أفضل؟

في المشهد الأخير، لم يعد السؤال اقتصاديًا بقدر ما هو سؤال وجود الدولة نفسها. حين ترتفع الإيرادات ثلاثة أضعاف بفعل إجراءات تُثقِل كاهل المواطن، ثم لا يجد هذا المواطن راتبًا منتظمًا ولا كهرباء ولا مستشفى ولا ماءً نظيفًا، فإن الرسالة تصبح صادمة: الدولة تحوّلت من أداة خدمة إلى آلة جباية تعمل لصالح مركز مالي لا يرى الناس.

هذه ليست إدارة سيئة، بل فساد ممنهج يرتدي ثوب الإصلاح، أو عجز متعمد يُدار بحرفية. إن حكومةً تمتلئ خزائنها بينما تُفرَغ بطون مواطنيها لا تحتاج إلى دعم خارجي بقدر ما تحتاج إلى محاسبة داخلية.

وإذا كان ثمن امتلاء الخزائن هو انهيار الخدمات وإذلال الموظفين، فالنتيجة لن تكون غضبًا عابرًا، بل انفجارًا اجتماعيًا سيكتسح الجميع، لأن الشعوب قد تغفر الفقر، لكنها لا تغفر أن تُفقَر رسميًا ثم يُقال لها: الخزائن ممتلئة.

 

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com