“عدن“| بالأرقام.. خبير اقتصادي يكشف إفلاساً غير معلن لحكومة الزنداني وتصاعداً خطيراً في الدين العام..!
أبين اليوم – خاص
كشفت مؤشرات اقتصادية عن دخول حكومة عدن الموالية للسعودية في حالة إفلاس مالي غير معلن، في ظل اتساع الفجوة بين الإيرادات والنفقات، وتراجع السيولة المحلية، وتنامي الاقتراض الداخلي، وسط استمرار الاختلالات الهيكلية والمالية في الاقتصاد الذي تديره حكومة الزنداني.
وقال الخبير الاقتصادي علي المسبحي، في منشور على منصة «فيسبوك»، إن المؤشرات الاقتصادية تظهر فجوة كبيرة بين الإيرادات العامة والنفقات، مشيراً إلى أن تحسن سعر الصرف وفرض سعر صرف ثابت لم ينعكس على القدرة المالية للحكومة، بل ترافق مع نقص حاد في السيولة المحلية، انعكس على قدرتها على دفع الرواتب وسداد الديون وتمويل المشاريع.
وأوضح المسبحي أن عرض النقد (M2) انخفض خلال عام 2025 بنحو 2073 مليار ريال، ليتراجع من 13.503 تريليون ريال في 2024 إلى 11.429 تريليون ريال، معتبراً ذلك مؤشراً على حجم الضغوط النقدية التي تواجه الاقتصاد في مناطق سيطرة حكومة عدن.
وبحسب البيانات التي أوردها الخبير، تراجعت الإيرادات العامة خلال 2025 إلى 1435 مليار ريال، مقارنة بـ2066 مليار ريال في 2024، بانخفاض بلغ 631 مليار ريال، وبنسبة تقارب 30%.
ولم تتجاوز نسبة تغطية الإيرادات للنفقات العامة 52%، ما يعني أن الحكومة لم تتمكن من تمويل سوى نحو نصف احتياجاتها من مواردها الذاتية.
ومع اتساع العجز، لجأت الحكومة إلى الاقتراض، حيث اقترضت خلال العام نفسه نحو 1312 مليار ريال، ليرتفع الدين العام الداخلي من 7285 مليار ريال في 2024 إلى 8597 مليار ريال في 2025، فيما قفزت مدفوعات فوائد الدين من 560 إلى 796 مليار ريال، بزيادة بلغت 236 مليار ريال خلال عام واحد.
وأشار المسبحي إلى أن تراجع الإيرادات دفع حكومة عدن إلى رفع السعر الجمركي في محاولة لتعويض جانب من النقص، متوقعاً أن ترتفع الإيرادات العامة خلال 2026 بنحو 20% نتيجة هذه الإجراءات، مقابل ارتفاع النفقات بنحو 10% بفعل زيادة الأجور والمرتبات وبدلات غلاء المعيشة.
كما توقع استمرار العجز المالي خلال العام الجاري، رغم حصول الحكومة على دعم خارجي للمساهمة في دفع الرواتب وتوفير وقود الكهرباء، ما لم تُجرَ إصلاحات جذرية لمعالجة الاختلالات الهيكلية والفساد المؤسسي.
وحمل المسبحي حكومة عدن مسؤولية معالجة التدهور الاقتصادي، داعياً إلى تنفيذ إصلاحات شاملة، والقضاء على الفساد وتجفيف منابعه، وخفض النفقات العامة، بما في ذلك إلغاء الإعاشة والازدواج الوظيفي والمساعدات المالية للمبتعثين، وإعادة هيكلة القطاع الدبلوماسي في الخارج، إلى جانب إصلاح المؤسسات الإيرادية وإعادة هيكلتها لمعالجة الاختلالات المالية والوظيفية فيها.
تحليل:
إن ما تكشفه هذه الأرقام ليس مجرد أزمة سيولة عابرة أو اختلال محاسبي يمكن ترميمه بقرض جديد أو منحة خارجية مشروطة، بل هو انهيار ممنهج لدولة وظيفية بأكملها.
فعندما تعجز الحكومة عن تغطية نصف نفقاتها من إيراداتها الذاتية، وعندما يتحول الاقتراض من أداة استثنائية لسد الفجوات إلى آلية دائمة لإدارة شؤون المواطنين، فعندئذٍ لا يجوز الحديث عن “حكومة” بالمعنى السياسي والاقتصادي للكلمة، بل عن كيان إداري مفلس يدير عملية تصفية بطيئة لما تبقى من مؤسسات شكلية.
والكارثة الحقيقية أن هذا الإفلاس غير المعلن يُدار بمنطق المحاسبين لا بمنطق رجال الدولة، فتُرفع الرسوم الجمركية على أفواه الجائعين، وتُضاعف فوائد الدين على ظهور المنهكين، بينما تبقى منظومة الفساد والازدواج الوظيفي والإعاشات السياسية محصّنة بقرارات فوقية لا تمس جوهر البنية الريعية.
والأخطر من ذلك أن تحسّن سعر الصرف، الذي يُفترض أن يكون مؤشراً على تعافٍ نقدي، تحوّل في الحالة اليمنية لحكومة الشرعية إلى قناع يخفي نزيفاً أعمق؛ إذ كشف عن هشاشة الاقتصاد الحقيقي وعجزه عن توليد قيمة مضافة، فبقيت الحكومة أسيرة نمط ريعي قائم على الجمارك والمساعدات والقروض، لا على الإنتاج والضرائب التصاعدية والاستثمار المنتج.
وهذا يفسر لماذا لم ينعكس استقرار العملة على القدرة الشرائية للمواطنين أو على انتظام الرواتب، بل على العكس، ازداد الضغط النقدي على الشرائح الأكثر هشاشة التي تجد نفسها أمام أسعار لا ترحم ودخول لا تكفي لربع احتياجاتها.
إن ما يجري ليس تعثراً مالياً فحسب، بل تفكيكٌ صامت للعقد الاجتماعي في مناطق سيطرة حكومة عدن، حيث تنسحب الدولة من وظائفها الأساسية لصالح منطق المقاولات السياسية والمحاصصة الجهوية، تحت سقف تحالف إقليمي يبدو عاجزاً أو غير راغب في فرض شروط الحوكمة على أداته المحلية.
وفي ضوء هذه المعطيات، يمكن القول بلا مواربة إن حكومة الزنداني تقف اليوم على حافة اللاشرعية الاقتصادية، ليس فقط لأنها لم تعد قادرة على الوفاء بالتزاماتها، بل لأنها فقدت أيضاً المبرر الأخلاقي والسياسي لاستمرارها كسلطة تدّعي تمثيل المواطنين.
فحينما تتحول الدولة إلى عبء إضافي على شعب منهك، وحينما تُدار الموارد العامة كغنائم خاصة، وحينما تُقدَّم فروض الطاعة للممولين الإقليميين على حساب السيادة الوطنية، يصبح السؤال عن جدوى بقاء هذا الكيان الإداري مشروعاً ومطروحاً بقوة.
وأي حديث عن “إصلاحات” داخل هذه البنية الفاسدة لا يعدو كونه استهلاكاً إعلامياً، لأن الإصلاح الجذري يتطلب إرادة سياسية لا تتوفر لدى نخبة مستفيدة من استمرار الانهيار.
والبديل الوحيد أمام أي مشروع وطني جاد هو تفكيك هذه المنظومة المحاصصية وإعادة بناء سلطة شرعية على أسس الكفاءة والشفافية والمساءلة، وإلا فإن اليمن في مناطق نفوذ عدن سيشهد تحولاً نهائياً من دولة مفلسة إلى مقاولة عسكرية-إدارية تدير الفقر والصراع نيابة عن قوى لا يعنيها من الأمر شيء سوى بقاء الجغرافيا مسرحاً مفتوحاً لمصالحها.