عقب قطع التمويل القطري وإخلاء معاقله.. لماذا علّق الإصلاح نشاطه لأول مرة منذ عقود؟ وهل انقلب “حليف السعودية“ على حربها في اليمن..!

6٬005

أبين اليوم – خاص 

لأول مرة منذ تأسيسه قبل عقود، يعلّق حزب الإصلاح، جناح الإخوان المسلمين في اليمن، نشاطه الداخلي، في خطوة تطرح تساؤلات واسعة حول دوافعها وتوقيتها وعلاقتها بالتحركات السعودية المتسارعة لإقصائه من المشهد السياسي والعسكري، وانعكاساتها على المعركة التي تخوضها الرياض في اليمن.

وبحسب ما نقلته وسائل إعلام الحزب، فقد أوقف الإصلاح جميع الترتيبات التي كان يعدها منذ أشهر للاحتفال بذكرى تأسيسه، دون إعلان أسباب واضحة، مكتفياً بربط استئناف نشاطه بتحقق ما وصفه بـ“تحرير صنعاء”.

ويبدو هذا الشرط، في توقيته، أقرب إلى رسالة سياسية منه إلى مجرد مبرر تنظيمي، خصوصاً أن الحزب كان طوال سنوات الحرب أحد أبرز الأدوات المحلية التي اعتمدت عليها السعودية في مواجهة صنعاء.

وحاول الإصلاح، من خلال اشتراط عودة نشاطه برحيل قياداته ونقل استثماراته إلى خارج البلاد، تقديم مخرج سياسي يجنبه تحمل تبعات الانسحاب، غير أن توقيت القرار يجعله أقرب إلى احتجاج على مسار سعودي يرى الحزب أنه يستهدف وجوده بالكامل.

ويبقى السؤال الأهم: هل يمثل القرار مناورة مؤقتة للضغط على الرياض، أم بداية فك ارتباط تدريجي بحرب لم يعد الحزب يرى فيها مصلحة له؟

الرياض تضغط على الإصلاح من كل الاتجاهات:

جاء قرار الإصلاح بعد أيام فقط من تحرك سعودي جديد ضده، تمثل في مذكرة نقلت عبر وزير خارجية حكومة عدن إلى الجانب القطري، تطالب بوقف تمويل الحزب، في خطوة تعكس انتقال الرياض من تقليص نفوذ الإصلاح ميدانياً إلى محاولة تجفيف مصادر قوته السياسية والمالية.

وعلى الأرض، كثفت السعودية إجراءاتها لإزاحة ما تبقى من نفوذ الحزب شمال وغرب اليمن. ففي مأرب، أُلحقت قوات الإصلاح بفصائل موالية للسعودية تعرف بـ“الطوارئ”، بالتوازي مع تنصيب رداد الهاشمي، المحسوب على الرياض، قائداً للقوات المنتشرة من الوديعة حتى مأرب، وسحب عدد من المواقع العسكرية من تشكيلات الحزب.

أما في تعز، فقد اكتملت تقريباً عملية نقل النفوذ السياسي والعسكري من الإصلاح إلى خصمه الأبرز طارق صالح. فبعد ترتيبات دمج فصائل الحزب ضمن قوات “درع الوطن”، وتعيين يوسف الشراجي، أحد أبرز مساعدي طارق صالح، قائداً لها، انتقل الملف السياسي للمحافظة أيضاً إلى طارق، الذي ترأس اجتماعاً مع محافظَي الخوخة وتعز بحضور حكومة عدن، ووجّه بتلبية احتياجات المناطق الخاضعة لنفوذه.

وهكذا لا تبدو الإجراءات السعودية منفصلة؛ ففي مأرب يجري تفكيك البنية العسكرية للإصلاح، وفي تعز يجري انتزاع الملفين العسكري والسياسي منه، وعلى المستوى الخارجي يجري الضغط لوقف التمويل، بينما تتعرض قياداته واستثماراته لضغوط متزايدة.

من شريك في الحرب إلى عبء على السعودية:

قبل اندلاع الحرب السعودية على اليمن في مارس/آذار 2015، كان الإصلاح يمتلك شبكة نفوذ واسعة تمتد من شمال اليمن إلى جنوبه، مع حضور قوي في محافظات النفط، خصوصاً شبوة وحضرموت ومأرب. وتحول الحزب، منذ بداية الحرب، إلى أحد أبرز المكونات اليمنية التي اعتمد عليها التحالف السعودي في تثبيت نفوذه ومواجهة صنعاء.

لكن مع مرور أكثر من عقد على الحرب، تبدو معادلة المصالح مختلفة تماماً. فالحزب فقد جانباً كبيراً من أدواته العسكرية، وتراجع نفوذه في المحافظات التي كان يعدها مناطق نفوذ رئيسية، فيما أصبحت السعودية تعمل على استبدال قواته بتشكيلات أكثر ارتباطاً بها، بينما يتعرض تمويله الخارجي واستثمارات قياداته لضغوط متزايدة.

وهذا التحول يفسر جانباً من مرارة موقف الإصلاح الحالي؛ فالحزب الذي دخل الحرب على أمل تثبيت مكاسبه وتوسيع نفوذه، يجد نفسه في نهايتها أمام عملية إعادة توزيع للنفوذ تستهدفه أولاً، وتمنح خصومه، وفي مقدمتهم طارق صالح، المساحة التي كان يسيطر عليها سابقاً.

تحليل:

قرار تعليق نشاط الإصلاح – إذا ثبت – أنه يتجاوز المناورة التكتيكية، يمثل تطوراً بالغ الأهمية في بنية المعسكر الموالي للسعودية. فالحزب لا يعلق احتفالاً حزبياً فحسب، بل يبعث برسالة احتجاج في لحظة تتزامن فيها عملية ممنهجة لتفكيك قوته العسكرية والسياسية والمالية.

وربط استئناف النشاط بـ“تحرير صنعاء” يمكن قراءته كإشارة إلى أن الحزب لم يعد مستعداً تلقائياً للاستمرار في تعبئة قواعده خلف أهداف الحرب السعودية بالشروط نفسها التي حكمت علاقته بالرياض طوال السنوات الماضية.

واللافت أن الرياض لا تتعامل مع الإصلاح كحليف يحتاج إلى إعادة تأهيل، بل كقوة ينبغي إعادة ضبطها وإخضاعها. وهذا ما يفسر تزامن التحركات في مأرب وتعز مع الضغط على التمويل الخارجي؛ إذ يجري ضرب مصادر القوة العسكرية والسياسية والاقتصادية للحزب في وقت واحد، بما يقلص قدرته على الاعتراض أو فرض شروطه.

لكن السعودية قد تكتشف أن إضعاف الإصلاح لا يعني بالضرورة تقوية جبهتها. فالحزب، رغم تراجع نفوذه، يمتلك شبكة اجتماعية وسياسية وعسكرية راكمها على مدى عقود، وإقصاؤه دون إيجاد بديل قادر على ملء الفراغ قد يفتح صراعاً داخل المعسكر الموالي للتحالف، خصوصاً أن البدائل التي تدفع بها الرياض ترتبط أساساً بإعادة توزيع النفوذ بين قوى متنافسة، لا ببناء جبهة موحدة في مواجهة صنعاء.

والأخطر أن الإصلاح، إذا انتقل من الاحتجاج الصامت إلى تعطيل التعبئة أو تقليص مشاركته في الحرب، فإن السعودية ستفقد أحد أهم مكوناتها المحلية التي اعتمدت عليها منذ 2015.

فالحرب التي دخلها الإصلاح شريكاً بحثاً عن النفوذ قد تنتهي به خارج المعادلة، بينما تجد السعودية نفسها مضطرة لخوض معركة جديدة داخل معسكرها لإقصاء حليف سابق، بدلاً من توجيه كامل ثقلها نحو صنعاء.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com