“مقالات“| حرب الناقلات وصراع المضائق: مخاض النظام العالمي الجديد والتحول الجيواقتصادي الشامل..!
أبين اليوم – خاص
بقلم/ فيصل الخليفي:
لقد ولى زمن الإملاءات الغربية، وانتهت بغير رجعة تلك الحقبة التي كانت فيها العواصم الاستعمارية تتحكم بمصائر البحار والمحيطات وكأنها بحيرات خاصة.
في القراءات الاستشرافية التي طرحناها قبل نحو تسع سنوات حول مآلات الصراع الدولي، كنا قد حذرنا من أن الحروب القادمة لن تكون مجرد مواجهات عسكرية تقليدية، بل ستتخذ من “المضائق المائية، وأمن الطاقة، ومصادر المياه” ساحات رئيسية لكسر العظم الجيوسياسي.
واليوم، يتجاوز المشهد حدود التوقع ليرسم ملامح معركة كبرى وشاملة الأبعاد؛ إذ تبرز “حرب الناقلات النفطية والتجارية” كأداة الحسم في تدمير ركائز الهيمنة الأحادية.
وما نشهده من تصعيد دراماتيكي يمتد من مضيق هرمز وصولاً إلى باب المندب، ليس إلا دليلاً قاطعاً على بطلان صيغ الصلف الغربي وولادة معادلات ردع هجومية تجمع بين العسكري والسياسي، والاقتصادي والدبلوماسي.
أولاً: البُعد الجيوسياسي والعسكري (عجز التحالفات الغربية):
إن الانتقال الاستراتيجي في مسرح العمليات من “الباب” إلى “المضيق” يمثل تحولاً جوهرياً في بنية العلاقات الدولية، كشف بوضوح عن عجز بنيوي وفشل ذريع في المنظومة الأمنية الأمريكية والأوروبية.
إن التحالفات العسكرية البحرية التي حشدتها واشنطن وحلفاؤها في الناتو، ببوارجها الضخمة وتكنولوجيتها المعقدة، وقفت عاجزة تماماً أمام استراتيجيات “الحروب الهجينة” وغير المتناظرة. لقد أثبتت القوى الإقليمية والصاعدة قدرتها الفائقة على توظيف الجغرافيا السياسية لفرض شروطها، محولةً هذه المضائق من نقاط عبور مستباحة إلى منصات هجومية لفرض السيادة السياسية وتغيير موازين القوى على الأرض، مكسرةً بذلك عنجهية الأساطيل الغربية.
ثانياً: البُعد الاقتصادي والنفطي (سلاح ناقلة النفط والنزيف المالي):
من الناحية الاقتصادية الأكاديمية، يتضح أن النزيف المالي الناتج عن عسكرة الممرات المائية قد أصاب سلاسل الإمداد الغربية في مقتل. إن اشتعال أسعار النفط، والارتفاع الفلكي في أقساط تأمين مخاطر الحرب ورسوم نولون الشحن، فضلاً عن شلل حركة الحاويات واضطرار السفن لتبني مسارات بديلة ومكلفة مثل طريق رأس الرجاء الصالح، قد خلق أزمة تضخم خانقة داخل الولايات المتحدة والدول الأوروبية.
هذا الترابط العضوي جعل من ناقلة النفط والتجارة سلاحاً دبلوماسياً واقتصادياً فتاكاً يتفوق في تأثيره على الترسانات العسكرية التقليدية، حيث يُقاس النصر في هذه المعركة بمدى قدرة الاقتصاد الغربي المنهك على تحمل الكلفة المالية اليومية لتأمين إمداداته.
ثالثاً: صراع الأقطاب (التموضع الذكي لروسيا والصين):
في المقابل، فإن هذا الانكسار الغربي يمثل فرصة استراتيجية لإعادة تشكيل النظام الدولي، وهو ما تراقبه وتستثمر فيه القوى الدولية الكبرى المنافسة للهيمنة الأمريكية. فروسيا، التي تخوض صراعاً وجودياً ضد الغرب، تجد في عسكرة المضائق وحرب الناقلات أداة ضغط مثالية تضعف الخناق الاقتصادي عليها، وتكشف حدود القوة الأمريكية.
أما الصين، العملاق الاقتصادي الشره للطاقة، فإنها تتحرك بذكاء ودبلوماسية هادئة لحماية خطوط “الحزام والطريق”، مستفيدة من تآكل النفوذ الغربي لتعزيز حضورها الجيوسياسي كبديل موثوق وقوة دولية تضمن التوازن، دون السقوط في فخ المواجهة المباشرة.
خاتمة واستشراف:
بناءً على ما تقدم، فإن المشهد الدامي والساخن في الممرات المائية الحيوية لا يمثل مجرد اضطراب عابر، بل هو إعلان صريح عن السقوط الحتمي للغطرسة الغربية الأحادية التي جثمت على صدر العالم منذ نهاية الحرب الباردة.
إن مخاض “المعركة الكبرى” الداير رحاها اليوم بين المضائق والبحار، من باب المندب إلى مضيق هرمز، هو الضريبة القاسية والضرورية التي يجب أن تدفعها قوى الاستعمار الحديث لإنهاء غيها وتفردها بالقرار الدولي.
إن العالم يتجه رغماً عن أنف واشنطن وعواصم أوروبا نحو نظام متعدد الأقطاب، وولادة “سلام عالمي” حقيقي ومستدام؛ سلام لا تصنعه بوارج الغرب وإملاءاته، بل تصيغه بندية توازنات القوى الجديدة، حيث يدرك الجميع أن أمن العالم وازدهاره مشروطان بالعدالة السياسية ودفن زمن التبعية والهيمنة إلى الأبد.