“عدن“| “الدعم والإسناد“ تصفع السعودية وترفض القتال خارج الجنوب وتعلن اصطفافها مع الزبيدي..!
أبين اليوم – خاص
وجهت فصائل «الدعم والإسناد» الموالية للمجلس الانتقالي، أمس الجمعة، صفعة سياسية وعسكرية لقيادة القوات السعودية المنتشرة في مدينة عدن، بإعلانها رفض المشاركة في أي مهام عسكرية تقودها الرياض خارج المناطق الجنوبية، في موقف يعكس اتساع فجوة الخلاف بين السعودية والفصائل المحسوبة على الانتقالي.
وأكدت الفصائل، في بيان صادر عن قيادتها، أن «حماية الجنوب وأراضيه وحدوده وأمن أبنائه تمثل أولوية ثابتة لا تقبل المساومة أو التهاون»، في إشارة واضحة إلى رفض الزج بها في العمليات التي تسعى السعودية إلى تنظيمها ضد قوات صنعاء خارج نطاق المناطق الجنوبية.
وأعلن البيان، الصادر باسم قائد فصائل «الدعم والإسناد» نصر عاطف اليافعي، التخلي عن القيادات الموالية للسعودية، مؤكداً الوقوف إلى جانب رئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي، رغم إعلان الرياض حل المجلس، ومشدداً على أن الأولوية هي الحفاظ على الأمن والاستقرار في عدن وبقية المناطق الجنوبية.
كما أيدت الفصائل أي قرارات عسكرية قد يتخذها الانتقالي لإعادة ترتيب وانتشار قواته بما يتناسب مع ما وصفته بالأولويات الجنوبية، وتركيز الإمكانات والجهود على حماية المناطق الواقعة تحت إدارة السعودية، بما يحفظ أرواح عناصرها.
واختتمت «الدعم والإسناد» بيانها بالتأكيد على أن موقفها «ثابت ومنحاز بالكامل للقضية الجنوبية»، في رسالة تبدو موجهة إلى الرياض أكثر من كونها إعلاناً عسكرياً داخلياً، خصوصاً أن السعودية تحاول منذ أشهر إعادة ترتيب خارطة القوى العسكرية في عدن والجنوب، وإعادة توجيه جزء من هذه القوات نحو جبهات جديدة في مواجهة صنعاء.
– رفض متراكم للقتال تحت القيادة السعودية:
ويأتي هذا الموقف في سياق رفض متواصل من جانب الانتقالي وفصائله منذ يوليو الماضي للانخراط في أي تصعيد عسكري تقوده السعودية ضد قوات صنعاء، إذ يعتبر المجلس أن تلك المواجهات لا تخدم القضية الجنوبية ولا ترتبط بأهدافه السياسية والعسكرية.
وتستند حالة الرفض، وفق الخطاب المتداول داخل الأوساط الجنوبية، إلى تراكمات بدأت خصوصاً عقب الضربات الجوية السعودية التي استهدفت فصائل جنوبية في وادي حضرموت أواخر العام الماضي، والتي خلفت، وفق الرواية الواردة في الأوساط الجنوبية، أكثر من ألف قتيل وجريح.
وتفاقمت القطيعة بعد الإجراءات السعودية ضد المجلس الانتقالي مطلع يناير الماضي، حين أعلنت الرياض حل المجلس واتهمت عيدروس الزبيدي بـ«الخيانة» لمصلحة الإمارات، فيما تعرضت مواقع في مسقط رأسه بالضالع لغارات جوية بعد مغادرته عدن.
وبحسب الرواية السعودية المتداولة، تمكن الزبيدي من مغادرة عدن بحراً باتجاه الصومال، ومنها جواً إلى أبوظبي بمساعدة ضباط إماراتيين، بينما واصلت السلطات السعودية فرض الإقامة الجبرية على وفد الانتقالي الموجود في الرياض منذ يناير الماضي.
– السعودية أمام معضلة الجنوب:
ويضع البيان السعودي أمام مأزق جديد في عدن؛ فالقوات التي يفترض أن تعتمد عليها الرياض لإعادة ترتيب المشهد العسكري في الجنوب وإسناد تحركاتها ضد صنعاء، تعلن صراحة أن مهمتها محصورة في الجنوب، وأنها لن تتحول إلى قوة مقاتلة بالوكالة عن السعودية خارج مناطقه.
ولا تقتصر أهمية البيان على رفض المشاركة في الجبهات الشمالية، بل تتجاوز ذلك إلى إعلان اصطفاف سياسي مع قيادة الانتقالي التي أعلنت الرياض حلها، وهو ما يعني أن محاولات تفكيك نفوذ المجلس وإعادة تشكيل مراكز القوة في عدن لا تزال تواجه مقاومة من داخل البنية العسكرية الجنوبية نفسها.
تحليل:
تكمن خطورة بيان «الدعم والإسناد» بالنسبة إلى السعودية في أنه لا يصدر عن قيادة سياسية للانتقالي فحسب، وإنما عن تشكيل عسكري يمتلك حضوراً ميدانياً في عدن، ما يجعل الرفض أكثر من مجرد موقف إعلامي.
فإذا تحولت هذه اللغة إلى قاعدة عامة لدى بقية الفصائل الجنوبية، فإن الرياض ستواجه مشكلة جوهرية في مشروعها لإعادة توظيف القوات الجنوبية في المعركة التي تريد فتحها ضد صنعاء.
فالجنوب بالنسبة إلى هذه الفصائل يمثل حدود المهمة وسقف الولاء العسكري؛ بينما تريد السعودية توسيع هذا الدور ليصبح جزءاً من منظومة عسكرية أكبر تخدم أهدافها في مواجهة صنعاء.
ومن هنا يتضح جوهر الخلاف: ليس الخلاف فقط حول المشاركة في معركة بعينها، بل حول من يحدد وظيفة القوات الجنوبية: القيادة الجنوبية أم القيادة السعودية؟
والأكثر دلالة أن البيان أعاد تثبيت اسم عيدروس الزبيدي باعتباره مرجعية سياسية، رغم أن الرياض أعلنت حل المجلس الانتقالي. وهذه النقطة تكشف أن قرار السعودية بإلغاء المجلس على الورق لم يؤدِ بالضرورة إلى إنهاء بنيته العسكرية والسياسية على الأرض؛ إذ لا تزال هناك فصائل تعلن ولاءها لقيادته وتتعامل مع القرارات السعودية باعتبارها تدخلاً في قضية جنوبية لا تملك الرياض حق تحديد مسارها.
كما أن استدعاء الضربات السعودية السابقة في حضرموت والاتهامات المتعلقة بالزبيدي يعكس أن الثقة بين الطرفين تعرضت لضربة عميقة. فالسعودية تريد من هذه القوات أن تقاتل تحت قيادتها، بينما ترى قطاعات منها أن الرياض نفسها استخدمت القوة ضدها عندما تعارضت حساباتها مع أهدافها.
وهنا تظهر المفارقة التي قد تتحول إلى مأزق استراتيجي للرياض: السعودية تريد استخدام الانقسام الجنوبي لإعادة تشكيل الجنوب، لكنها قد تكون بصدد توحيد الفصائل الجنوبية ضد مشروعها العسكري الجديد.
وكلما ضغطت الرياض لإرسال هذه القوات إلى جبهات خارج الجنوب، ارتفعت احتمالات تحول الرفض من موقف تكتيكي إلى اصطفاف سياسي وعسكري أوسع.
وبالتالي، فإن بيان «الدعم والإسناد» لا ينبغي قراءته باعتباره مجرد رفض للمشاركة في عملية عسكرية؛ بل باعتباره مؤشراً جديداً على أن معركة السعودية لإعادة هندسة المشهد في عدن والجنوب تواجه مقاومة من القوى التي كانت حتى وقت قريب إحدى أهم أدوات النفوذ الإقليمي هناك.
وإذا اتسعت دائرة الرفض، فقد تجد الرياض نفسها أمام معادلة صعبة: قوات جنوبية لا تريد القتال في حربها ضد صنعاء، ومجلساً انتقالياً تسعى إلى تفكيكه، ونفوذ إماراتي لم يختفِ بالكامل، وشارع جنوبي بات أكثر حساسية تجاه أي محاولة لإخراج قواته من الجنوب.
وهكذا، فإن السعودية التي دخلت عدن بهدف ضبط الجنوب وإعادة ترتيب قواه قد تجد نفسها أمام سؤال أكبر: هل تستطيع فرض معادلتها بالقوة على فصائل يفترض أنها حليفة، لكنها ترى أن الحرب التي تريد الرياض خوضها ليست حربها؟