“الرياض“| الخنجر المسموم من الداخل: كيف تحوّل أبو زرعة المحرمي إلى أداة السعودية لإسقاط الزبيدي وتفكيك الانتقالي..!
أبين اليوم – خاص
ظلّ عبدالرحمن المحرمي، نائب رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي وقائد قوات العمالقة، داعمًا ومباركًا للتحركات العسكرية للمجلس في محافظتي حضرموت والمهرة شرقي اليمن، غير أن هذا الموقف سرعان ما تبدّل عقب الانتكاسة الكبيرة التي مُنيت بها قوات الانتقالي في معركة القطن بوادي حضرموت، وما تبعها من انهيار ميداني.

وعقب هذه التطورات، سارع المحرمي، الذي يشغل أيضًا عضوية مجلس القيادة الرئاسي، إلى التوجه نحو الرياض، حيث ظهر إلى جانب وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان. وبينما كان يُعتقد أن زيارته تهدف لفتح قنوات حوار بين الانتقالي والرياض، اتضح لاحقًا أن المحرمي انضم فعليًا إلى معسكر السعودية، مبرمًا اتفاقًا منفردًا يضمن بقاء تشكيلات قواته ذات الطابع السلفي، وتأمين مرتباتها بعد تراجع الدور الإماراتي في الجنوب.
وبحسب المعطيات، عرضت السعودية على المحرمي تولي تمويل قواته، كما كانت تفعل الإمارات سابقًا، مع تقديم امتيازات إضافية ووعود بدور سياسي وعسكري قادم في جنوب اليمن. وقد أبدى المحرمي موافقة سريعة ودون أي شروط أو مطالب إضافية، ما جعله، وفق توصيف خصومه، “الخنجر السام” بيد الرياض لضرب المجلس الانتقالي من داخله، وتفكيكه تمهيدًا لمعركة السيطرة على مدينة عدن.
وفي الوقت الذي واصلت فيه قوات العمالقة التابعة للمحرمي تسلم مواقع حساسة في عدن، تزامن ذلك مع انسحابات لقوات الانتقالي، بينما كان المحرمي يلبّي التوجيهات السعودية بحضور اجتماعات مجلس القيادة الرئاسي في الرياض، والتي أفضت إلى اتخاذ قرار بفصل عيدروس الزبيدي من عضوية المجلس وإحالته إلى القضاء، في خطوة وفّرت غطاءً سياسيًا لاستهدافه.
وتشير الوقائع إلى أن سيناريو الإطاحة بالزبيدي كان جاهزًا، سواء وصل إلى الرياض أم لا، إلا أن الزبيدي أدرك المخطط في اللحظة الأخيرة، وربما بتوجيه إماراتي، فاختار المراوغة. إذ أبدى موافقته على السفر، لكنه اختفى قبيل إقلاع الطائرة، وقطع الاتصال مع الجميع، بمن فيهم أجهزة الاستخبارات السعودية وقوات العمالقة التابعة للمحرمي.
اليوم، يعيش الزبيدي وقيادات المجلس الانتقالي حالة من المرارة إزاء ما يعتبرونه خيانة من المحرمي، غير أنهم يتجنبون إعلان ذلك صراحة، في ظل عجزهم عن مواجهة الغارات السعودية أو توصيفها بـ“العدوان”، كما كانوا يفعلون في مراحل سابقة.
وفي السياق ذاته، عززت السعودية، الأربعاء، نفوذ تيار أبو زرعة المحرمي داخل مدينة عدن، مع تقارير عن قرار مرتقب بتعيين عبدالرحمن شيخ محافظًا لعدن بدلًا عن أحمد لملس. ويُعد شيخ من أبرز مؤسسي الحزام الأمني والرجل الثاني في قيادة فصائل يافع، وقد سبق أن أُقصي من قبل تيار الضالع بقيادة الزبيدي.
وتزامنت هذه الترتيبات مع انتشار فصائل العمالقة في عدن، وسط تساؤلات حول ما إذا كانت الخطة تهدف إلى تفجير صدام داخلي بين تيارات الانتقالي المناطقية، أم مكافأة للمحرمي على دوره في إسقاط الزبيدي عسكريًا بدءًا بسحب فصائل الانتقالي من حضرموت والمهرة.
تحليل:
ما جرى يكشف أن معركة الجنوب لم تُحسم بالمدفع فقط، بل بالخيانة المحسوبة وإعادة تدوير القيادات. السعودية لم تواجه الانتقالي من الخارج، بل اخترقت بنيته من الداخل عبر أكثر أدواته فاعلية.
قبول المحرمي السريع بعرض الرياض لم يكن خطوة براغماتية بقدر ما كان انتقال ولاء صريح، حوّل قوات العمالقة إلى رأس حربة في تفكيك المشروع الانفصالي ذاته.
الزبيدي لم يُهزم عسكريًا فقط، بل أُطيح به سياسيًا عبر شريكه، في نموذج كلاسيكي لكيفية التخلص من الأدوات الوظيفية حين تنتهي صلاحيتها.
الجنوب اليوم لا يشهد صراع نفوذ محلي، بل إعادة هندسة كاملة للولاءات، حيث تُدار المعركة بأيدٍ جنوبية، لكن بقرار خارجي خالص.