“عرب جورنال“| تفكك التحالف في اليمن: من صمت المصالح إلى فتح الملفات المؤجلة..!

7٬997

أبين اليوم – خاص 

لم يكن ما انفجر اليوم بين السعودية والإمارات في اليمن سوء تفاهم ولا خلاف مصالح طارئ، بل انهيار قناع طويل الأمد أخفى تحته شراكة كاملة في إعادة تفكيك الدولة اليمنية.

ما نشهده الآن ليس صراع روايات، بل صراع على من يتحمّل وزر المرحلة بعد أن انتهت الوظيفة وتبددت الغنيمة. حين كانت المصالح متطابقة، صمت الجميع عن الاغتيالات، وعن الموانئ المسلوبة، وعن المدن التي أُعيد تشكيلها بالقوة. وحين اختل الميزان، تحولت الملفات السرية إلى أدوات ابتزاز سياسي، لا إلى اعتراف بالحقيقة.

فتح الرياض لملفات الإرهاب والاغتيالات اليوم لا يعني اكتشاف الجريمة، بل انتهاء الشراكة فيها. فهذه الجرائم لم تُرتكب في الظل، بل تحت غطاء تحالف عسكري كامل، وبعلم وصمت وتواطؤ متبادل.

الإمارات لم تتحرك كحليف، بل كقوة احتلال ناعمة تدير الأرض بمنطق الغنيمة، والسعودية لم تكن مغفلة عن ذلك، لكنها قبلت الدور طالما كان الثمن مقبولاً. اليوم فقط، بعد أن خرج الشريك من المعادلة، قررت الدولة الراعية أن تتبرأ من آثار التحالف، وتعيد كتابة التاريخ بصفته خطأً إماراتياً خالصاً.

هذه ليست لحظة عدالة، بل لحظة تصفية حسابات. وما يُكشف الآن ليس كل الحقيقة، بل الجزء الذي يخدم معركة النفوذ الحالية. أما اليمن، فهو الخاسر الدائم في حرب تُدار باسمه ولا تُخاض من أجله، حيث تُفتح الملفات لا لإنصاف الضحايا، بل لتبرئة الأقوياء، وإغلاق مرحلة دون محاسبة حقيقية.

خلفية المشهد:

ما جرى بين السعودية والإمارات في الملف اليمني لا يمكن اختصاره بخلاف عابر بين حليفين، بل هو انفجار متأخر لتناقضات عميقة جرى التعايش معها سنوات تحت شعار “التحالف”.

اليوم، بعد إخراج الإمارات عمليًا من المشهد العسكري المباشر في اليمن، بدأت الرياض بفتح ملفات كانت مغلقة عمداً. ليس حباً في الحقيقة، بل لأن ميزان المصالح تغيّر.

اغتيال جعفر محمد سعد كنقطة مفصلية:

اغتيال محافظ عدن الأسبق جعفر محمد سعد في ديسمبر 2015 لم يكن حادثة أمنية معزولة، بل لحظة تأسيس لمرحلة كاملة. الرواية التي روّج لها حينها، والمتمثلة في تبنّي تنظيم “داعش” للعملية، وفّرت غطاءً مثالياً لإغلاق الملف بسرعة. لكن الوقائع التي تكشفت لاحقاً، سواء عبر شهادات الحرس الخاص أو تقرير فريق الخبراء الدوليين، تشير إلى نمط منظم لا علاقة له بعمليات عشوائية.

الضغط الإماراتي على المحافظ لتسليم الموانئ والقواعد والجزر، ثم حصاره مالياً وعسكرياً، يوضح أن الاغتيال جاء بعد فشل أدوات الإكراه السياسي. هذه ليست لغة “تحالف”، بل لغة قوة تتعامل مع الأرض كغنيمة.

إعادة هندسة عدن بالقوة:

التعيينات التي تلت الاغتيال لم تكن صدفة. صعود عيدروس الزبيدي محافظاً لعدن، وتعيين هاني بن بريك نائباً له، و”شلال شائع” مديراً للأمن، شكّل مثلث السيطرة الجديد. هذا الثلاثي كان معروفاً بقربه الشديد من أبوظبي، وهو ما جعل عدن تتحول من “مدينة محررة” إلى منطقة نفوذ إماراتي مباشر.

تقرير فريق الخبراء الدوليين لعام 2019 أكد أن اغتيال جعفر سعد كان فاتحة لسلسلة اغتيالات بلغت نحو 90 شخصية. ما القاسم المشترك..!

جميعهم مع ما يسمى الشرعية، أو ناقدون للدور الإماراتي. هذه ليست فوضى، بل تصفية ممنهجة لإفراغ الساحة.

لماذا صمتت السعودية كل هذه السنوات؟

السؤال الأهم ليس ماذا فعلت الإمارات، بل لماذا سكتت السعودية. الجواب غير أخلاقي لكنه واقعي: لأن الصمت كان مربحاً.

تقاسم الأدوار: السعودية ركزت على الشمال ومواجهة أنصار الله، والإمارات تولت الجنوب والموانئ. طالما لم يتعارض ذلك مع الهدف الأكبر، لم تكن الرياض راغبة بفتح جبهة داخل التحالف.

الحاجة العسكرية: في السنوات الأولى، كانت السعودية بحاجة ماسة للقوات الإماراتية، سياسياً وعسكرياً وإعلامياً. فتح ملفات الاغتيالات حينها كان سيعني تصدّع التحالف في ذروة الحرب.

إدارة الصورة الدولية: الاعتراف بتورط حليف في اغتيالات منظمة داخل مناطق السيطرة كان سيحوّل الحرب من “إعادة شرعية” إلى صراع نفوذ مكشوف. ببساطة، الكلفة كانت أعلى من الفائدة.

لماذا الآن؟:

  • – لأن المشهد انقلب بالكامل، وانتهت مرحلة المجاملات القسرية.
    – اليوم تغيّر كل شيء جذرياً: الإمارات أُخرجت من اليمن وانتهى حضورها العسكري والسياسي، ولم يعد لها أي نفوذ مباشر أو غير مباشر.
    – أدواتها المحلية جرى تفكيكها وإفراغها من التأثير، وعلى رأسها المجلس الانتقالي، الذي فقد دوره ووظيفته ونفوذه على الأرض.
    – السعودية باتت الطرف الوحيد المسؤول فعلياً عن إدارة الملف اليمني، وبالتالي الطرف الوحيد الذي يُسأل ويُحاسَب دولياً.
    – لم يعد ملف اليمن ورقة ضغط أو استثمار إقليمي، بل عبئاً سياسياً وأمنياً يتطلب تصفية حسابات الماضي.
    – الخلافات التي كانت تُدار سابقاً في الغرف المغلقة حول الموانئ والجزر والجنوب انتهت عملياً بسقوط طرفها الثاني.

باختصار.. فتح هذه الملفات اليوم لا يأتي من صحوة أخلاقية متأخرة، بل من حسابات دولة تسعى لإغلاق مرحلة مضطربة، وتنظيف سجلها السياسي، وفصل نفسها بوضوح عن ممارسات شريك سابق خرج من المعادلة.

ما الذي يعنيه هذا لليمن؟:

للأسف، الضحية الثابتة هي اليمن. الاغتيالات، تفكيك مؤسسات الدولة، خلق كيانات مسلحة موازية، كلها أدت إلى إضعاف الدولة، وإطالة أمد الحرب، وفتح الباب لمشاريع تقسيم فعلية. الجنوب لم يُدعَم ليكون قويا، بل ليكون تابعا.

الخلاصة:

ما يحدث اليوم ليس “فضحاً شجاعاً”، بل كشف متأخر بعد انتهاء الحاجة. الإمارات تصرفت كقوة احتلال ناعمة، والسعودية غضّت الطرف لأنها كانت شريكاً صامتاً. الفرق أن الصمت انتهى عندما انتهت الشراكة.

التاريخ لا ينسى، حتى لو حاولت البيانات الرسمية إعادة كتابته. ومنطق المصالح، كما في فلسطين وكما في اليمن، لا يعرف الأخلاق إلا إذا فُرضت عليه.

وعليه يمكن القول:

ما يجري هو إعادة تموضع قاسٍ لا اعتراف متأخر بالخطأ. كشف الملفات بعد انتهاء الشراكة يؤكد أن الأخلاق في السياسة تُستدعى عندما تخدم المصلحة. النتيجة على اليمن كارثية: اغتيالات، تفكيك مؤسسات، كيانات مسلحة موازية، وإطالة للحرب فتحت الباب لمشاريع تقسيم فعلية.

الجنوب لم يُدعَم ليقوى، بل ليُدار. الفارق الوحيد اليوم أن الصمت انتهى بانتهاء الشراكة، بينما يبقى التاريخ شاهداً على أن منطق المصالح لا يعرف الأخلاق إلا إذا فُرضت عليه.

في النهاية، ما يُكشف اليوم ليس سوى الجزء الذي سقط من على الطاولة بعد أن انتهت الصفقة. لا السعودية قررت فجأة أن تكون مع الحقيقة، ولا الإمارات كانت يوماً خارج منطق الاغتيال والهيمنة. الفارق الوحيد أن الشراكة انهارت، فبدأ كل طرف يرمي بجثث المرحلة السابقة في وجه الآخر. الدم الذي سال في عدن وحضرموت وأبين لم يتحول إلى “ملف” إلا عندما انتهت الحاجة إليه كأداة.

الأخطر أن هذه الحرب المتأخرة على الرواية لا تستهدف العدالة، بل تهدف إلى غسل الأيدي قبل إغلاق الملف اليمني دولياً. كل طرف يريد الخروج نظيفاً من مستنقع صنعه بيده، ولو كان الثمن تحميل كل الجرائم لشريك الأمس، ودفن الضحايا مرة أخرى تحت عناوين سياسية جديدة.

اليمن لم يكن ساحة أخطاء، بل مختبراً مفتوحاً لإدارة الفوضى: اغتيالات كأدوات حكم، تنظيمات متطرفة كأوراق ضغط، ومشاريع تقسيم تُطبخ باسم “الاستقرار”. من يعتقد أن كشف بعض الوثائق سيغيّر جوهر المعادلة، يخطئ قراءة التاريخ؛ لأن الجرائم التي لا تُحاسَب لا تنتهي، بل تُعاد تسميتها فقط.

ما يحدث اليوم ليس نهاية مرحلة سوداء، بل محاولة أن يخرج صانعوها دون حساب. أما الحقيقة الكاملة، فهي أبسط وأكثر قسوة: التحالف سقط، لكن الجريمة مستمرة، والضحية ما زالت نفسها. وفي بلدٍ يُدار بمنطق المصالح لا العدالة، لا يُغلق الملف إلا حين يُطمس، ولا يُدان الفاعل إلا عندما يخسر.

 

المصدر: عرب جورنال

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com