“المهرة“| ميناء قشن التعديني.. صراع نفوذ ووثائق تكشف طريق السيطرة الإماراتية على «رأس شروين»..!
أبين اليوم – خاص
تتصاعد في محافظة المهرة موجة جدل واسعة حول مشروع «ميناء قشن» التعديني، في ظل اتهامات مباشرة لجهات محلية بالتواطؤ لتسهيل سيطرة شركات مرتبطة بدولة الإمارات على منطقة «رأس شروين» الساحلية، المصنّفة كإحدى أغنى مناطق اليمن بالمعادن الثقيلة.
وتعود بداية القضية إلى تقدّم شركة «أجهام للطاقة والتعدين»، برئاسة الخبير الجيولوجي الدكتور محمد علي بن المتاش، بطلب رسمي لإنشاء «لسان بحري» في جبل رأس شروين بمديرية قشن، بعقد استثنائي يمتد لمدة 100 عام.
وبحسب معطيات متداولة، فإن رئيس الشركة يقيم في دولة الإمارات، وترتبط أنشطته بمحيط جهاز أبوظبي للاستثمار «أديا».
وكشفت وثائق نشرها ناشطون جنوبيون أن الشركة أصرت على اختيار موقع جبلي يمتد داخل البحر، رغم أن هذا الموقع لا يتوافق مع المواصفات الفنية المعتمدة لإنشاء الألسنة البحرية، في حين يتطابق، في المقابل، مع خرائط جيولوجية تشير إلى احتواء المنطقة على مخزون ضخم من المعادن الثقيلة، على الرغم من أن المنطقة لم تُخضع رسميًا بعد لمسوح استكشافية تجارية معتمدة.
وأظهرت مراسلات رسمية وجود صراع واضح بين مراكز نفوذ داخل المحافظة. ففي الوقت الذي وجّه فيه محافظ المهرة السابق راجح باكريت – بخط يده – بتمكين الشركة من الموقع المطلوب، رغم مخالفته للمدة القانونية المنصوص عليها في القانون اليمني، والتي تحدد سقف امتياز الموانئ بثلاثين عامًا فقط، تصدت الهيئة العامة للاستثمار في المهرة لهذا التوجه.
وأكدت الهيئة، في مراسلات رسمية، أن الموقع المطلوب محجوز ضمن المخطط العام لـ«ميناء قشن»، وقدّمت للشركة بدائل أخرى بمواقع وإحداثيات محددة.
غير أن مسار الملف شهد تحولًا مفاجئًا، بعد سحبه من مكتب الاستثمار، وتمريره عبر مكتب وزارة النفط، بإشراف سعيد المزروعي، حيث جرى توقيع عقد لمنجم «حجر جيري» في أبريل 2019 من قبل وزير النقل حينها صالح الجبواني، في خطوة اعتبرها مراقبون غطاءً قانونيًا وإجرائيًا لنشاط مختلف يرتبط فعليًا بالمعادن الثقيلة.
وتوّجت هذه التحركات في يوليو 2021 بتوقيع عقد امتياز لإنشاء وإدارة وتشغيل ميناء بحري بنظام البناء والتشغيل ونقل الملكية (B.O.T)، قبل أن يصادق مجلس الوزراء في حكومة عدن، في 31 ديسمبر 2022، على إنشاء ميناء مخصص للنشاط التعديني لصالح شركة «أجهام».
تحليل:
قضية «ميناء قشن» لا تبدو مجرد خلاف إداري على موقع استثماري، بل تمثل نموذجًا صارخًا لكيفية إعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية في المهرة عبر بوابة المشاريع التحتية، لا عبر السيطرة العسكرية المباشرة.
فالإصرار على موقع «رأس شروين» تحديدًا، رغم تعارضه مع المعايير الفنية لإنشاء لسان بحري، يكشف أن الهدف الحقيقي ليس الميناء بحد ذاته، بل الوصول إلى واحدة من أكثر المناطق اليمنية حساسية من حيث الثروات المعدنية الثقيلة.
الأخطر في الملف هو مسار الالتفاف المؤسسي: من رفض مكتب الاستثمار، إلى سحب الملف إلى وزارة النفط، ثم تمريره كعقد «حجر جيري» وصولًا إلى امتياز ميناء بنظام BOT، بما يشير إلى هندسة قانونية متعددة الطبقات لتجاوز الاعتراضات المحلية وتحييد المؤسسات الرافضة.
في هذا السياق، يصبح الميناء مجرد واجهة لتمكين نفوذ اقتصادي طويل الأمد، بعقود تمتد قرنًا كاملًا، في محافظة ظلت تاريخيًا خارج مشاريع السيطرة الصلبة.
وبذلك، فإن ما يجري في قشن ليس استثمارًا تنمويًا بقدر ما هو إعادة تموضع استراتيجي للإمارات في شرق اليمن، عبر تحويل الثروة المعدنية إلى أداة نفوذ جيوسياسي صامت، يصعب تفكيكه لاحقًا حتى لو تغيّرت موازين السلطة السياسية.